ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلطة بنيه، شفى عيّها بقوله: {قال إنما} أي نعم لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان، لدلالته على الرقة والوفاء، وإنما يكون مذمومًا إذا كان على وجه الشكاية إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق، إنما {أشكوا بثي} والبث أشد الحزن، سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقًا وإن كان سببه خفيفًا يقدر الخلق على إزالته {إلى الله} أي المحيط بكل شيء علمًا وقدرة تعرضًا لنفحات كرمه، لا إلى أحد غيره، وهذا - الذي سمعتوه مني فقلقتم له - قليل من كثير.
ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخًا دمًا، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستندًا إلى ذلك، وكان يعقوب عليه السلام يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله به، قال: {وأعلم من الله} أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج عن المكروبين والتفريح للمغمومين {ما لا تعلمون *}