ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: {إني أعوذ بالرحمن} ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة {منك} ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها: {إن كنت تقيًا * قال} جبرئيل عليه السلام مجيبًا لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهمًا، مؤكدًا لأجل استعاذتها، {إنما أنا رسول ربك} أي الذي عذت به أي فأنا لست متهمًا، متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية، وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفًا بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده {لأهب} بأمره أو ليهب هو على القراءة الأخرى {لك} وقدم المتعلق تشويقًا إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ثم بينه معبرًا بما هو أكثر خيرًا وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله: