الكامل الحق، من الملأ الأعلى {لمعزولون*} أي بما حفظت به السماء من الشهب وبما باينوا به الملائكة في الحقيقة لأنهم خير صرف، ونور خالص، وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة، فلا يسمعون إلا خطفًا، فيصير - بما يسبق إلى أفهامهم، ويتصور من باب الخيال في أوهامهم - خلطًا لا حقيقة لأكثره، فلا وثوق بأغلبه، ولا يبعد أن يكون ذلك عامًا حتى يشمل السماع من المؤمنين لما شاركوا به الملائكة من النور والخير، انظر ما ورد في آية الكرسي من أنها لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان، وفي رواية: إلا خرج منه الشيطان، وورد نحوه في الآيتين من آخر سورة البقرة، وكذا ما كان من أشكال ذلك، وأعظم منه قوله عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه: «إنه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما رآك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» وترك تعليل الانبغاء لظهوره.
ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون، والقرآن داع إلى الله الحق المبين، سبب عنه قوله: {فلا تدع} وخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام وهو أكرم الخلق لديه، وأعزهم عليه، ليكون لطفًا لغيره فيما يأتيه من الإنذار، فيكون الوعيد أزجر له، ويكون هو له أقبل {مع الله} أي الحائز لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي