ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقًا يدرك بالتأمل قال: {لقوم} أي رجال أو في حكمهم، لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون*} أي يستعملون أفكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك.
ولما ذكر سبحانه الذكر والأنثى، المخلوقين من الأرض، وكانت السماء كالذكر للأرض التي خلق منها الإنسان، وكان خلقهما مع كونهما مخلوقين من غير شيء أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة، وكان خلق الأرض التي هي كالأنثى متقدمًا على عكس ما كان في الإنسان، أتبعه ذكرهما بادئًا بما هو كالذكر فقال مشيرًا - بعد ما ذكر من آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق: {من آياته} أي الدالة على ذلك، ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم إيجادًا مستمرًا على حالة واحدة، عبر بالمصدر فقال: {خلق السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على اتساعها وإتقانها.
ولما كان من الناس من ينسب الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى ذاكرًا من صفات الأنفس ما يبطل تأثير الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره، وتكوينه وتدبيره: {واختلاف ألسنتكم} أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة، لا حد ولا رخاوة،