من أخطأته المروءة شابًا نالها شيخًا، وبدليل أنه كم من غني كانت غرائزه ذميمة، وكم من فقير كانت خلائقه محمودة، والمروءة هي الإنسانية، وهي كل أمر هنيء حميد المغبة جميل العاقبة، وهذا هو السيادة، يعني أن من كانت المروءة في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه غنيًا كان أو فقيرًا، ومن لم يكن عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال، فلله درهم! ما كان أحكمهم وأدراهم بالدقائق وأعلمهم، ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم، فملأت معارفه الأكوان، وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان.
ولما كان الشعر مع ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيدًا جدًا عن سجايا الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحًا وهجوًا، فيكون أكثره كذبًا - إلى غير ذلك من معايبه، قال سبحانه وتعالى: {وما ينبغي له} أي وما يصح ولا ينطلب ولا يتأتى أصلًا، لأن منصبه أجل، وهمته أعلى من أن يكون مداحًا أو عيابًا، أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى، وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة.