أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه في كثير من آياتها تنبيهًا على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبرًا عنه بما يرشد إلى أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من إنكار بركة الصدقة عاجلًا أو آجلًا تقيدًا بالمحسوسات: {إن المصدقين} أي العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، فكل من القراءات يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة الاعتناء.
ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثًا على حمل النفس على التطبع بذلك حتى يصير لها خلقًا في غاية الخفة عليها فقال عاطفًا على صلة الموصول في اسم الفاعل معبرًا بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل عطفًا على ما تقديره موقعًا ضميرًا المذكر على الصنفين تغليبًا الذين صدقوا إيمانهم بالتصدق: {وأقرضوا الله}