755 -إشارة (جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بضمِّ الميم، والحجازيُّون بسكون الميم تخفيفًا كما يقال في عَضُد عَضْد.
قوله (أَمَّا أَنَا) إن قلتَ (أمَّا) للتَّفصيل، فلا بدَّ لها من قسم، فأين هُوَ؟ قلتُ مقدَّر، كأنَّه قال أمَّا هم، فقالوا وما قالوا، وأمَّا أنا؛ فأقول إنِّي كنت كذا.
إن قلتَ القياس يقتضي أن يؤخِّر لفظ (وَاللهِ) عن الفاء؛ قلتُ ما هو في خبرها يجوز تقديم بَعْضه على الفاء، والقسم ليس أجنبيًّا، وجواب القسم محذوف، و (فَإِنِّي كُنْتُ) يدلُّ عليه قوله (صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ) أي صلاة مثل صلاته.
فائدة (أَخْرِمُ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الرَّاء؛ أي أنقص، وعليه اقتصر الكرمانيُّ.
وضُبِطَ في بَعْض الكُتب بضمِّ الهمزة على أنَّه رباعيٌّ، وليس هو في اللُّغةِ.
تَنْبيه إن قلتَ مَا وجه الدِّلالةِ على مَا بوَّب به البخاريُّ في هذا الحديثِ والَّذي قبلَه من القراءة ظاهر، فإنَّ حديث عُبادةَ دالٌّ عليه بعمومه، وحديث أبي هريرة في الفذِّ والمأموم بالقياس عليه، فما وجهه من الحديث الأوَّل؛ قلتُ وجهه قوله (أَرْكُدُ فِي الأُوْلَيَيْنِ، وَأَخُفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ) أي أطيل القراءة في الأوليين وأخفُّ في الأخريين.
بقي عليك وجه باقي التَّرجمة وهو الجهر والمخافتة؛ نعم، ذكر ما يخافت فيه فقط، وذكر ابن المنير مناسبة ذكرها سيِّدي.
فائدة إنَّما خصَّص العشاء بالذِّكر؛ لعلَّهم شكوا منه في هذه الصَّلاة وبسببها، أو أنَّهم لمَّا لم يُهْمل شيئًا من هذه الَّتي وقتها وقت الاستراحة؛ ففي غيرها بالطَّريق الأولى.
قوله (ذَاكَ الظَّنُّ) مبتدأ وخبر، و (بِكَ) متعلِّق بالظَّنِّ.
قوله (أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا) قسم (أمَّا) محذوف؛ أي أمَّا غيري؛ فأثنوا عليه، وإمَّا نحن حين سألتنا؛ فنقول كذا، انتهى.
وفي أصلنا المصريِّ والشاميِّ (أنشدتنا)
قوله (بِالسَّرِيَّةِ) الباء للمُصَاحبة.
قوله (عرِّضْهُ) أي اجعله عُرْضة، أو أدخله في معرضها، أوْ أظهره بهَا.
فائدة إن قلتَ كيف جاز لسعد أن يدعوَ على أخيه المسلم، وإن جاز؛ فلم مَا اكتفى بدعوة واحدة؟ قلتُ جاز لأنَّه كان مظلومًا بالافتراء عليه، وإنَّما دعا عليه بثلاث؛ لأنَّه أيضًا ثلَّث في نفي الفضائل عنه، سيَّما الثَّلاث الَّتي هي أصول الفضائل وأمَّهات الكمالات، يعني الشَّجاعة الَّتي هي كمال القوَّة والعصبيَّة حيث قال لا يسير، والعفَّة الَّتي هي كمال القوَّة الشَّهوانيَّة، حيث قال لا يَقْسم، والحكمة الَّتي هي كمال القوَّة العَقْليَّة حيث قال لا
ج 1 ص 358
يعدل، وراعى أمرًا آخر في الدُّعاء، وهو أنَّه قابل كلَّ مَا نسب إليه التَّقصير فيما يتعلَّق بالنَّفس والمال والَّذي بمثله؛ فدَعَا عليه بما يتعلَّق بالنَّفس وهو طول العمر، وبالمال وهو الفَقْر، وبالدِّين وهو الوقوع في الفتن.
خاتمة (الكُوْفَةِ) بناها سَعْد بإشارة عمر رضي الله تعالى عنهما، وسُمِّيَت كوفة؛ لاستدارتها، أو لأنَّ ترابها يخالط خضار، وكلُّ ما كان كذلك سُمِّيَ كوفة.
إن قلتَ الدُّعاء بطول العمر دعاء له لا دعاء عليه؛ قلتُ طوله في الغاية بحيث يرتدُّ إلى أسفل سافلين ويصير إلى أرذل العمر وتضعف القوى وينتكس في الخَلْق محنة لا نعمة، أو المراد طوله مع الفقر.
(شَيْخٌ كَبِيْرٌ) إشارة إلى الدَّعوة الأولى.
و (مَفْتُونٌ) إلى الثَّانية.
وأمَّا لفظ (أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ) ؛ فهو بمقتضى عمومه يدلُّ على طول الفَقْر.
(يَغْمِزُهُنَّ) يعصر أعضاءهنَّ بالأصابع.
وفيه أيضًا إشارة إلى الفتنةِ وإلى الفَقْر، إذ لو كان غنيًّا؛ لما احتاج إلى غمز الجواري في الطُّرق.
فائدة قال عيَاض دعا صلَّى الله عليه وسلَّم لسعد أن يجيب الله دعوته فما دعا على أحد إلَّا استُجيب له، انتهى.
ودعاؤه له رواه الطَّبرانيُّ والتِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم، وفي «المجالسة» للدَّينوري عن عثمان بن عفَّان قال كان سعد بين يديه لحم، فجاءه حدأة فأخذته، فدعا عليها، فاعترض عظم في حلقها فوقعت ميتة، وسلفت من «كتاب الحيوان» قصَّة الكلب.
قال الكرمانيُّ إن قلتَ مَا وجه تعلُّقه بالتَّرجمة؛ قلتُ وجهه أنَّ ركود الإمام لا يدلُّ على قراءته عادة، فهو دالٌّ على بعضِ التَّرجمةِ، ولا خلاف في وجوب الفاتحة، إنَّما الخلاف في فرضيَّتها.
وإن أراد البخاريُّ من القراءةِ قراءة سُوْرَة غير الفاتحةِ؛ فالرُّكودُ لا يدلُّ على وجوبها، إلَّا أن يُقَالَ فعله في الصَّلاةِ دليل الوجوب مَا لم يعارضه مَا يدلُّ على أنَّه نَدْب؛ لقوله «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» وإن أراد أعمَّ منهما؛ فهي واجبة على الإمام بالإجماع.