831 -فائدة (جِبْرِيْلَ) فيه سبع لغات ذكرها النَّوويُّ في «التَّهذيب» ، و (مِيْكَائِيْلَ) فيه خمس لغات.
قوله (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) إن قلتَ هذا إنَّما يصحُّ ردًّا عليهم لو قالوا السَّلام على الله؛ قلتُ هذا الحديث مختصر ممَّا سيأتي قال فيه (قلنا السَّلام على الله، فقال «لا تقولوا السَّلام على الله، فإنَّ الله هو السَّلام» ) ، وحاصله أنَّه عليه السَّلام أنكر التَّسليم على الله، وعلَّمهم أن يقولوا [1] عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلَّ سلامة ورحمة له منه، وهو مالكها ومعطيها.
الخطَّابيُّ المراد أنَّ الله هو ذو السَّلامة، فلا يقولوا السَّلام على الله، فإنَّ السلام منه بدأ
ج 1 ص 374
وإليه يعود مَرْجع الأمرِ، ففي إضافة السَّلام إليه أنَّه ذو السَّلامة من كلِّ نقصٍ وآفَّة وعيب.
ويُحتمَل أن يكون مَرْجعنا إلى حظِّ العبد فيما يَطْلبه من السَّلامة عن الآفات والمهالك.
النَّوويُّ معناه أنَّ السَّلام اسم من أسمائه تعالى؛ يَعْني السَّالم من النَّقائص، وقيل المسلِّم أولياءه، وقيل مُسلِّم عليهم.
وقال لفظ (فَلْيَقُلْ) فيه أنَّ التَّحيَّات واجبة؛ لأنَّ الأمر للوجوب.
وقال الشَّافعيُّ التَّشهُّد الأوَّل سنَّة، والأخير واجب، وأبو حنيفة ومالك هما سنَّتان ليسا بواجبتين، وأحمد هما واجبان، وفي رواية الأوَّل واجب، والثَّاني فرض.
قال وقد وافق من لم يوجب التَّشهُّد على وجوب القعود فقدَّره في آخر الصَّلاة.
التَّيميُّ قال مالك والكوفيُّون ليس كلُّ أمره عليه السَّلام على الوجوب؛ لأنَّ التَّسبيح في الرُّكوع والسُّجود ليس بواجب، وقد أُمِرَ به عليه السَّلام، قال حين نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ} [الواقعة74] «اجعلوها في ركوعكم» ، وحين نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى1] اجعلوها في سجودكم، وقد يأمر بالسُّنن كما يأمر بالفرائض.
إن قيل الجلسة الأخيرة فريضة، فلذلك ذكرها؛ أي التَّحيَّات؛ قلنا إنَّما هي للسَّلام لا للذِّكر.
أقول الأمر حقيقة للوجوب، فلا بدَّ من حمله عليها إلَّا إذا دلَّ دليل على خلافه كما في مَسْألة التَّسبيح، فإنَّه لولا الإجماع على عدم وجوبه؛ لحملناه على الوجوب، ثمَّ إنَّ قولكم إنَّما هي للسَّلام؛ فممنوع، ولهذا أوجبتم القعود بقدر قراءة التَّحيَّات، ولولا أنَّه لها؛ لما احتاج إلى هذا القدر، بل يكفي لحظة واحدة.
صاحب «الهداية» القعدة الأخيرة مقدار التَّشهُّد فرض، وأمَّا قراءة التَّشهُّد فيها والقعدة الأولى؛ فواجبان، وقال في موضع آخر القَعْدتان والقراءة فيهما كلُّ ذلك واجبٌ.
قوله (التَّحِيَّاتُ) الخطَّابيُّ هي كلمات مخصوصات كانت العرب تحيِّي بها الملوك نحو قولهم أبيتُ اللَّعنَ، وقولهم أنعم صباحًا، وقول العجم ده هزار سال؛ أي عشرين ألف سنة، ونحوه من عاداتهم في تحيَّة الملوك عند الملاقاة، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثَّناء على الله سبحانه، فنزلت أعيان تلك الألفاظ واستعمل منها معنى التَّعظيم، فقيل قولوا التَّحيَّات لله؛ أي أنواع التَّعظيم له كما يَسْتحقُّه.
النَّضْر بن شميل معناها البقاء، يقال حيَّاك الله؛ أي أبقاك الله.
أبو عبيد معناها الملك.
وقال (الصَّلَوَاتُ) الأدعية.
و (الطَّيِّبَاتُ) مَا طاب من الكلام وحَسُن منه، فصلح أن يثني على الله تعالى دون الكلمات الَّتي لا تليق بصفاته ممَّا يحيُّون بها فيما بينهم.
بعضهم الطَّيِّبات الأعمال الزَّاكية.
النَّوويُّ (التَّحيَّة) الملك، وقيل البقاء، وقيل العظمة، وقيل الحياة، وجمع؛ لأنَّ الملوك كان كلُّ واحدٍ منهم يحيِّيه أصحابه بتحيَّة مَخْصوصة، فقيل جميع تحيَّاتهم لله، وَهُوَ المستحقُّ لذلك حقيقة.
و (الصَّلَوَاتُ) هي الصَّلوات المعروفة؛ أي الخمسة وغيرها، وقيل الدَّعوات، وقيل الرَّحمة لله؛ أي المتفضِّل بها.
و (الطَّيِّباتُ) أي الكلمات الطَّيِّبات؛ ومعناه أنَّ التَّحيَّات وما بعدها مُسْتحقَّة للهِ لا يصلح حقيقتها لغيره.
قال وحديث ابن عبَّاس التَّحيَّات المباركات، الصَّلوات الطَّيِّبات؛ تقديره والمباركات والصَّلوات والطَّيِّبات، كما في حديث ابن مَسْعود، وحُذِفَت الواو اختصارًا، وهو جائز مَعْروف في اللُّغة.
قال واتَّفق العلماء على صحَّة الصَّلاة والجواز، لكن اختلفوا في الأفضل منها، فذهب الشَّافعيُّ إلى أنَّ تشهُّد ابن عبَّاس أفضل؛
ج 1 ص 375
لزيادة لفظة (المباركات) فيه، وهي موافقة لقوله تعالى {تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النُّور61] .
أبو حنيفة وأحمد تشهُّد ابن مَسْعود أفضل؛ لأنَّه عند المحدِّثين أشدُّ صحَّة، وإن كان الجميع صحيحًا، مالك تشهُّد عمر رضي الله تعالى عنه الموقوف عليه أفضل؛ لأنَّه علَّمه النَّاس على المنبر، ولم ينازعه أحد، فدلَّ على تَفْضيله؛ وهو التَّحيَّات لله الزَّاكيات لله الطَّيِّبات الصَّلوات لله.
القاضي البَيْضاوي (الصَّلوات والطَّيِّبات) بحرف العطف، يحتمل أن يكونا معطوفين على (التَّحيَّات) ، وأن تكون (الصَّلوات) مبتدأ وخبره محذوف يدلُّ عليه (عليك) و (الطَّيِّبات) مَعْطوفة عليهَا، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثَّانية لعطف المفرد على المفرد، وفي حديث ابن عبَّاس لم يذكر العاطف أصلًا، وزاد المباركات، وأخَّر (لله) ، فتكون صفات، قال واختاره الشَّافعيُّ؛ لأنَّه أفقه.
(السَّلَام عَلَيْكَ) قيل معناه التَّعوُّذ بالله، فإنَّ السَّلام اسم من أسمائه تعالى، تقديره الله عليك؛ أي حفيظ، كما يقال الله معك؛ أي بالحفظ.
وقيل السَّلام بمعنى السَّلامة كاللِّذاذ واللِّذاذة؛ أي السَّلامة، والنُّحاة لك.
النَّوويُّ يجوز فيه حذف الألف واللَّام، ولا خلاف في جواز الأمرين هنا، ولكنَّ المعرَّف أفضل فيه، أمَّا سلام التَّحلُّل؛ فمنهم من جوَّز الأمرين، ومنهم من أوجب التَّعريف، وهو الأصحُّ عند الجمهور؛ لأنَّه لم ينقل إلَّا معرَّفًا، ولأنَّه تقدَّم ذكره في التَّشهُّد، فينبغي أن يُعرَّف ليعود إلى السَّابق.
الطَّيبيُّ التَّعريفُ إمَّا للعهد التَّقديريِّ؛ أي ذلك السَّلام الَّذي وُجِّه إلى الأنبياء المتقدِّمة مُوَجَّه إليك أيُّها النَّبيُّ، والسَّلام الَّذي وُجِّهَ إلى الأمم السَّابقة من الصُّلَحاء علينا وعلى إخواننا، وإمَّا الجنس؛ أي حقيقة السَّلام الَّذي يَعْرفه كلُّ أحد أنَّه مَا هو وعمَّن يَصْدر وعلى من يَنْزل عليك وعلينا، وإمَّا للعهد الخارجيِّ إشارة إلى قوله تعالى {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النَّمل59] .
إن قلتَ هلَّا جيء بلفظ الغَيْبة وهي الظاهرة سياقًا لينتقل من تحيَّة الله إلى تحيَّة النَّبيِّ عليه السَّلام، فيقول سلام عليه؛ قلتُ نحن نَتْبع قوله عليه السَّلام بعَيْنه حين علَّم الحاضرين من الصَّحابة كيفيَّة التَّسليم عليه.
(الصَّالِحِينَ) العبد الصَّالح هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد، وهذا تعميم بعد تخصيص، وفيه دليل على أنَّ الجمع المحلَّى باللَّام يفيد الاستغراق، ولا يقال أنَّه جمع قلَّة، فلا يزيد على العشرة؛ لأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعْتبران في النَّكرات لا في المعارف.
فائدة اعلم أنَّهم كانوا يسلِّمون على اللهِ أوَّلًا، ثمَّ على أشخاص مُعَيَّنين، فأمرهم عليه السَّلام بكيفيَّة الثَّناء على الله، ثمَّ أعلمهم أنَّ الدُّعاء للمؤمنين يَنْبغي أن يكون شاملًا لهم، وأمرهم بإفراد صلوات الله عليه بالذِّكر؛ لشَرَفه ومزيد حَقِّه عليهم، وتخصيص أنفسهم، فإنَّ الاهتمامَ بها أهمُّ، ثمَّ أتبعه بشهادة التَّوْحيد لله والرِّسالة للنَّبيِّ عليه السَّلام؛ لأنَّها مَنْبع الخَيْرات وأساس الكمالات، ثمَّ عقَّبه بالصَّلاة عليه؛ ليجمع له الفضلين الصَّلاة والسَّلام.
إشارة قال صاحب تعليقه «الحاوي» لو قال إنَّ محمَّدًا رسوله يطلب صلاته يعني لا بدَّ من قول (رسول الله) بدون الضَّمير، وهو سهو منه، إذ لا خلاف في تأدية الفرض، فكلٌّ من تشهُّدي ابن عبَّاس وابن مسعود، وإنَّما الخلاف في الأفضل؛ قاله الكرمانيُّ.
اعلم أنَّ الإتيان بالضَّمير لا يكفي، بل لا بدَّ من قول رسول الله كما اقتضاه كلام الرَّافعيِّ والسرخسي، ونقله في «شرح المهذَّب» عن النَّصِّ وصحَّحه في «التَّحقيق» و «شرح الوسيط» ، لكنَّه اختصر في الرَّوضة كلام الرَّافعيِّ على العكس، فصحَّح أنَّ الضَّمير يجزئ.
قال في «المبهمات» والمعنى به المنع، غير أنَّه ثَبَت الضَّمير مع زيادة (العبد) في التَّشهُّد الوارد في الصَّحيح من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظَّاهر إلَّا في رواية ابن عبَّاس، وقد اتَّفق العلماء على جواز التَّشهُّد بالرِّوايات الثَّلاث، كما قاله في «شرح مسلم» ، فالخلاف يقتضي ما عدى هذه الصُّورة، ثمَّ إنَّ النَّوويَّ جزم في كتبه أنَّ الضَّمير كان في الصَّلاة على الآل إذا أوجبناها، فيطلب منه الفرق.
ج 1 ص 376
[1] في الأصل (يقولون) .