فهرس الكتاب
843 -إشارة الجوهريُّ (الدَّثر) بفتح المهملة وسكون المثلَّثة المال الكثير، وبكسرها وسكون الموحَّدة مثله.
الخطَّابيُّ وقع في رواية البخاريِّ (أهل الدُّور) وهو غلط، والصَّواب الدُّثور، وهكذا رواه النَّاس كلُّهم، واحدها دَثْرٌ؛ وهو المال الكبير، و (الدبر) بالموحَّدة أيضًا مثله.
و (مِنَ الأَمْوَالِ) بيان للدُّثور وتأكيد، أو وصف لأنَّ (الدُّثور) يجيء بمعنى الكَثْرةِ، يقال مال دَثْر؛ أي كثير.
و (العُلَا) جمع (العليا) تأنيث (الأعلى) .
وذكر (المقيم) تعريض بالنِّعيم العاجل، فإنَّه قلَّما يصفو، وإن صفا؛ فهو في وشك الزَّوال وسرعة الانتقال.
قوله (يَحُجُّونَ) قرأته بفتح الياء، وكذا هو مضبوط في أصلنا، ولو قُرِئَ بضمِّ أوَّله؛ لكان له وجه.
قوله (بِمَا إِنْ أَخَذْتُمْ) أي بشيء إن أخذتموه أدركتم من سَبقكم من أهل الأموال في الدَّرَجات العلى، وفي بعضها بأمرٍ.
إن قلتَ كيف ساوى قول هذه الكلمات مع سهولتها وعدم مشقَّتها الأمور الصِّعاب الشَّاقَّة من الجهاد ونحوه وأفضل العبادات أحمزها؛ قلتُ أداء هذه الكلمات حقَّها من الإخلاص _سيَّما الحمد في حال الفَقْر_ من أعظمِ الأعمالِ وأشقِّها، ثمَّ إنَّ الثَّواب ليس بلازم أن يكون على قدر المشقَّة، ألا ترى أنَّ في التَّلفُّظ بكلمة الشَّهادة من الثَّوابِ ما ليس في كثير من العبادات الشَّاقَّة، وكذا الكلمة المتضمِّنة لتمهيد قاعدة خير عامٍّ ونحوها.
قال العلماء إنَّ إدراك صحبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحظة خير وفضيلة لا يوازيها عمل، ولا ينال درجتها، ثمَّ إنَّ نيَّتهم أنَّهم لو كانوا أغنياء؛ لعملوا مثل عملهم وزيادة، و «نيَّة المؤمن خير من عمله» فلهم ثواب النِّيَّة وهذه الأذكار.
قوله (لَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ) إن قلتَ لِمَ لا يحصل لمن بعدهم ثواب ذلك؛ قلتُ إلَّا من عمل استثناء منه أيضًا كما هو مذهب الشَّافعيِّ في أنَّ الاستثناء المتعقِّب للجمل عائد إلى كلِّها.
إن قلتَ لم قال أوَّلًا «أدركتم من سَبَقكم»
ج 1 ص 378
يعني تساوونهم، وثانيًا «كنتم خير من أنتم بينهم» ؛ بمعنى يكونون أفضل منهم، فيلزم المساواة، وعدم المساواة على تقدير عدم عملهم مثله؛ قلتُ لا نسلِّم أنَّ الإدراك يستلزم المساواة، فربَّما يُدْركهم ويتجاوز عنهم.
قوله (إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ) أي إلَّا الغنيُّ الَّذي يسبِّح، فإنَّكم لم تكونوا خيرًا منه، بل هو خير منكم ومثلكم نعم.
إذا قلنا الاستثناء يرجع إلى الجملة الأولى أيضًا يلزم قطعًا كون الأغنياء أفضل، إذ معناه إن أخذتم أدركتم إلَّا من عمل مثله، فإنَّكم لا تُدْركونه.
إن قلتَ فالأغنياء إذا سبَّحوا يترجَّحون فيبقى بحاله ما شكى الفقراء منه وهو رجحانهم من جهة الجهاد وأخواته؛ قلتُ مقصود الفقراء تحصيل الدَّرجات العلى والنِّعيم المقيم لهم أيضًا لا ينفي لزيادتهم مطلقًا، وفيه أنَّ الغنيَّ الشَّاكر أفضل من الفقير الصَّابر.
قوله (ثَلَاثًا [1] وَثَلَاثِيْنَ) هذا اللَّفظ يحتمل أن يكون المجموع هذا المقدار بحيث كلَّ واحد منها أحد عشر، وأن يكون كلُّ واحد بلغ هذا المقدار فهو مجمل، وتمام الحديث يبيِّن أنَّ المقصود هو الثَّاني.
قوله (وثلاثون) بالواو والياء بأنَّه اسم كان أو خبره.
و (أَرْبَعَةً) في بعضها أربعًا، وإذا كان المميِّز غير مذكور؛ يجوز في العدد التَّذكير والتَّأنيث.
إن قلتَ مَا وجه تخصيص هذه الأذكار؛ قلتُ التَّسبيح إشارة إلى نفي النَّقائص عنه المسمَّى بالتَّنزيهات، والتَّحميد إلى إثبات الكمالات له، والتَّكبير إلى أنَّ حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام وتعرفها الأفهام.
[1] في الأصل (ثلاثة) .