فهرس الكتاب
955 -قوله (نَسَكَ نُسُكَنَا) اي ضحَّى مثل ضحيَّتِنا، وهو في الأصل للعبادة، قيل لثعلب هل يُسمَّى الصَّوم نُسُكًا؟ فقال كلُّ حقِّ لله تعالى فهو نُسُكٌ.
(فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي النُّسُك.
إن قلتَ الجزاء هو نفس الشَّرط فما وجهه؛ قلتُ تقدَّم تحقيقه في قوله (من كانت هجرته) ، وحاصله أنَّ مثل هذا التَّركيب يُراد به لازمه من تعظيم الشَّيء، أو تحقيره ونحوهما حسبما يقتضيه المقام، فالمراد به هنا بيان عدم الاعتداد به؛ أي من نَسَكَ قبلَ الصَّلاةِ، فلا اعتدادَ بنُسُكِهِ.
ولفظ (لَا نُسُكَ لَهُ) كالتَّوْضيح والبيان.
(أَوَّلَ شاة) وفي بعضها (أَوَّلَ) بدون الإضافة مفتوحًا ومضمومًا، أمَّا الضَّمُّ؛ فلأنَّه من الظُّروف المَقْطوع عن الإضافة نحو قبلُ وبعدُ.
وأمَّا الفتح؛ فلأنَّه من المضاف إلى الجملة، فيجوز أن يقالَ أنَّه مَبْنيٌّ على الفتح، أو أنَّه مَنْصوبٌ، وعلى التَّقديرين هو خبر الكَون، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وقال البرماويُّ بالنَّصْب خبر كان، وبالرَّفع اسمها، وبكون (شاتَي) خبرها مقدَّمًا، وفي بعضها أوَّل بلا إضافة؛ فيُضَمُّ على قاعدة الظُّروف المقطوعة نحو {مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الرُّوم4] .
ويُفتَح إمَّا نصب خبر كان، وإمَّا بناء على أنَّه أضيف للحمد؛ كذا قال الكرمانيُّ.
قال البرماويُّ وفيه نظر ظاهر.
(شَاةُ لَحْمٍ) أي ليست ضحيَّةً ولا ثوابَ فيهَا، بل هي لحمٌ لك تنتفع به.
قيل هو كقولهم (خاتم فضَّة) كأنَّ الشَّاة شاتان؛ شاةٌ تُذبَح لأجل اللَّحم، وشاةٌ تذبح لأجل التَّقرُّب إلى الله تعالى.
(لَنَا جَذَعَةً) هما صفتان للعَنَاقِ، ولا يقال عَنَاقة؛ لأنَّه مَوْضوع للأنثى من ولد المَعْزِ، فلا حاجة إلى التَّاء الفارقة بين المذكَّر والمؤنَّث.
(أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ) من جهة طِيبِ لحمها وكثرة قيمتها وسمنها.
(تَجْزِيَ) النَّوويُّ بفتح الياء، هكذا الرِّواية في جميع الكتب، ومعناه يكفي، كقوله تعالى {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} [لقمان33] .
ابن بطَّال أمَّا يوم النَّحر؛ فَهُو يوم أكل، إلَّا أنَّه لا يُسْتحبُّ فيه الأكل قبل الغدوِّ إلى الصَّلاة، ولا يُنهَى عنه، وأنَّه عليه السَّلام في حديث البراء لم يُحَسِّن أكله ولا عنَّفه عليه، وإنَّما أجابه عمَّا به الحاجة إليه من سنَّة الذَّبح، وَعَذَره في الَّذبح لما قَصَد من إطعام جيرانه لحاجتهم، فلم يَرَ عليه السَّلام أن يخيِّب فعلته الكريمة؛ فأجاز له أن يضحِّيَ بالجَذَعَةِ؛ أي من المعْزِ، ثمَّ إنَّه فصل في الفطر بين الصِّيام وصلاة العيد بالأكل، وأمَّا في الأضحى؛ فليس قبله صيام ليحتاج إلى فصله، فظهر السِّرُّ في الفَرْق بين العيدين في الأكل، فـ (أوَّل) شيء هُوَ، وإن كان نكرة مخصَّصة؛ فالأولى أن تكون (الصَّلاة) مبتدأ؛ لأنَّها أعرف منه و (أوَّل) خبره.