1120 - (القَيِّمُ) والقيَّام والقيُّوم مَعْناها واحدٌ، وهو الدَّائم القيام بتدبير الخَلْق، المُعْطي له ما به قُوامُهُ، أو القائم بنفسِه المقيِّم لغيره.
(النُّورُ) بمعنى المنير؛ أي خالق النُّور.
(وَعْدُكَ) يُطْلَق ويُرادُ به الخير والشَّرُّ كليهما، والخير والشَّرُّ خاصَّة، قال تعالى {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ} [البقرة268] .
(اللِّقَاءُ) البعث، أو رؤية الله تعالى.
إن قلتَ ذلك داخل تحتَ الوعد؛ قلتُ الوَعْد مَصْدر، والمذكور بعدَه هو الموعود، أو هو تخصيص بَعْدَ تعميمٍ، كما أنَّ ذكر القول بعدَ الوعد تعميم بعدَ تخصيص.
إن قلتَ مَا مَعنى (الحَقُّ) ؛ قلتُ المحقَّق الوجود الثَّابت فلا شكَّ فيه.
إن قلتَ القول يُوصَف بالصِّدق، يُقال قولٌ صدقٌ وكذبٌ، ولهذا قيل الصِّدْق هُوَ بالنَّظر إلى القول المطابق للواقع، والحقُّ بالنَّظر إلى الواقع المُطَابق للقول؛ قلتُ قد يُقال أيضًا قولٌ ثابتٌ، ثمَّ إنَّهما متلازمان.
إن قلتَ لم عرَّف الحقَّ في الأولَيَيْنِ
ج 1 ص 425
ونكَّر في البواقي؛ قلتُ المعرَّف باللَّام الجنسيِّ والنَّكرة المَسَافة قريبة بينَهما، بَلْ صرَّحوا بأنَّ مؤدَّاهما واحدٌ لا فرق إلَّا بأنَّ في المَعْرفة إشارةً إلى أنَّ الماهيَّة الَّتي دخل عليها اللَّام معلومةٌ للسَّامع، وفي النَّكرة لا إشارة إليه، وإن لم تكن إلَّا مَعْلومة له.
وفي «مسلم» «قولك الحقُّ» بالتَّعريف فيه أيضًا.
الطَّيبيُّ عرَّفهما للحَصْر؛ لأنَّ اللهَ تعالى هو الحقُّ الثَّابت، وما سواه في مَعْرِض الزَّوال، وكذا وَعْدُهُ مختصٌّ بالإنجاز دون وعدِ غيره، والتَّنْكير في البواقي للتَّعظيم.
قال وخصَّ محمَّدًا من بين النَّبيِّين وعطف عليهم [1] إيذانًا بالتَّغاير، وأنَّه فائقٌ عليهم بأوصاف مختصَّةٍ به، فإنَّ تغيُّر الوصفِ ينزل مَنْزلة تغاير الذَّات، ثمَّ جرَّده عن ذاته كأنَّه غيَّره، ووجب عليه الإيمان به وتصديقه.
(أَسْلَمْتُ) استسلمتُ وانقدتُ لأمرك ونهيك.
(تَوَكَّلْتُ) فوَّضتُ الأمر إليك قاطعًا النَّظر عن الأسبابِ العاديَّة.
(أَنَبْتُ) رجعتُ إليك مُقْبلًا بالقَلْب عليك.
(خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من البُرْهان والسِّنان خاصمتُ المعاند وقمعته بالحجَّة والسَّيف.
(حَاكَمْتُ) رَفَعَ القضيَّة إلى الحاكم؛ أي كلُّ من جحد الحقَّ حاكمته إليك، وجعلتك الحاكم بيني وبينه لا غيرك؛ ممَّا كانت تحاكم إليه الجاهليَّة من صنم وكاهن ونار ونحوه.
وقدَّم مجموع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتَّخصيص، وإفادة الحصر، فلا تغفل عنه.
(فَاغْفِرْ) معنى سؤال المغفرة سأله تواضعًا وهضمًا لنفسِه، وإجلالًا وتعظيمًا لله تعالى وتعليمًا لأمَّته ليُقتدَى به، ولا يخفى أنَّه من جوامع الكَلِمْ، إذ لفظ القيِّم إشارة إلى أنَّ وجود الجواهر وقوامَهُ منه، والنُّور إلى أنَّ الأعراض منه.
والملك إلى أنَّه حاكم فيها إيجادًا وإعدامًا يفعل ما يشاء، وكلُّ هذا من نِعَمِ الله تعالى على عباده، فلهذا قرن كلًّا منها بالحمد، وخصَّص الحمد به.
ثمَّ (أَنْتَ الحَقُّ) ، إشارة إلى المبدأ والقول ونحوه إلى المعاش والسَّاعة ونحوها إلى المعاد.
وفيه الإشارة إلى النُّبوَّة وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا.
وفيه وجوب الإيمان والإسلام والتَّوكُّل والإنابة، والتَّضرُّع إلى الله تعالى والاستغفار وغيره.
ابن بطَّال مَعْنى (أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) أنَّه عليه السَّلام أخبر عن غيره في البعث، وقدَّم عليهم يوم القيامة بالشَّفاعة وغيرها، كقوله «نحن الآخرون السَّابقون» .
خاتمة قال البرماويُّ قوله (قَالَ سُفْيَانُ وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيْمِ) هو متَّصل عنده من رواية عليٍّ ابنُ المدينيِّ المذكور في السَّند كما بيَّنه أبو نُعيم وغيره خلافًا لمن قال أنَّه معلَّق، انتهى.
وقال سيِّدي إنَّه تعليقٌ، انتهى.
وقوله (قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ) هو متَّصل كالَّذي قَبْله، نعم، وقع في رواية أبي ذرٍّ قال عليُّ بن خَشْرمٍ قال سفيان فالظَّاهر حينئذٍ أن يكونَ من رواية الفربريِّ عن عليِّ بن خَشْرمٍ، انتهى.
[1] في الأصل (عليه) .