76 -قال ابن أبي صغيرة أخرج البخاريُّ في هذا الباب حديث محمود بن الرَّبيع [خ¦77] وأغفل حديث ابن الزُّبير رآه يختلف إلى بني قريظة في يوم الخندق، وكان عمره أربع سنين [خ¦3720] [1] فتعقَّب عليه، وهذا غير متوجِّه؛ لأنَّ البخاريَّ إنَّما أراد سماع العلم والسُّنن منه صلَّى الله عليه وسلَّم، لا الأحوال الوجوديَّة، وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما نقل سنَّةً في المرور بين يدي المصلِّي، ومحمود عقل معجزةً بالمجَّة الَّتي أفادته البركة ومجرَّد رؤيته عليه السَّلام فائدة شرعيَّة تثبَّت بها.
وأمَّا رؤية ابن الزُّبير تردُّد أبيه فلم يكن فيه تشريع سنَّة مسموعة، وأيضًا فيحتاج إلى ثبوت أنَّ قصَّة ابن الزُّبير على شرط البخاريِّ؛ قاله الزَّركشيُّ [2] ، انتهى.
حديث عبد الله أخرجه البخاريُّ [خ¦3720] ، وكذا مسلم [3] وعبد الله وُلِدَ في السَّنة الأولى، وقيل على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، واختلف في غزوة الخندق، فقال ابن إسحاق (كانت في شوَّال سنة خمسٍ) [4] ، وكذا قال ابن سعد وابن عبد البرِّ [5] ، وقال ابن عتبة [في المجموع عقبة] في شوَّال سنة أربع [خ¦4097] .
وقال النَّوويُّ (أنَّه الأصحُّ؛ لحديث ابن عمر «عُرِضت على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضتُ عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني [6] » [7] .
ولا خلاف أنَّ أُحُدًا في الثَّالثة، فيكون عُمرُ عبد الله بن الزُّبير أربع سنين على القول بأنَّه وُلِدَ في إثر الهجرة، وأنَّ الخندق كانت سنة خمس على القول الأخير، وهو المشهور في مولده، وأنَّ الخندق في شوَّال سنة أربع، يكون عمره سنتين وشهرًا، وهو دالٌّ لمن اعتبر التَّمييز ولم يقيِّده بالسِّنين [8] ؛ قاله ابن الملقِّن.
وقال الكرمانيُّ إن قلتَ ليس في هذا الحديث سماع الصَّبيِّ، والتَّرجمة في السَّماع؛ قلتُ المقصود من السَّماع هو أو مَّا يقوم مقامه، كتقرير الرَّسول عليه السَّلام في مسألتنا لمروره.
إن قلتَ عقد الباب على الصَّبيِّ الصَّغير أو الصَّغير فقط على ما في بعض النُّسخ، والمناهز للاحتلام ليس صغيرًا، فما وجه المطابقة بين التَّرجمة ومَا له التَّرجمة؟
قلتُ المراد من الصَّغير غير البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان.
فائدة اختلف في الوقت الَّذي يصحُّ فيه سماع الصَّبيِّ، فقال عياض حدَّد أهل الصَّنعة في ذلك خمس سنين، وهو سنُّ محمود بن الرَّبيع الَّذي ترجم عليه البخاريُّ، وقيل في ابن أربع سنين وهذا هو الَّذي استقرَّ عليه عمل المتأخرين يكتبون لابن خمس سمع، ولمن دونه حضر أو أحضر، وقيل الصَّواب أن يُعتبَر كلُّ صغير بحاله، فإن كان فهم الخطاب وردَّ الجواب صحَّحنا سماعه، وإن كان دون خمسٍ.
ونُقِلَ نحو ذلك عن الإمام أحمد وموسى التحمُّل، وإن لم يكن كذلك لم يصحَّ سماعه، وإن كان ابن خمسٍ، وقد نُقِل أنَّ صبيًّا ابن أربع سنين حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن، ونظر في الرَّأي غير أنَّه إذا جاع بكى؛ قال الطيبيُّ، وحاصله أنَّ القاضي اعتبر تحديد السِّن وبعضهم اعتبر الحالة، وهو الصَّحيح، فلا يعدُّ حديث محمود إشكالًا على القول الصَّحيح؛ لأنَّه يدلُّ على اثبات سماع من هو مثله في السِّن والذكاء، ولا يدلُّ على نفيِّ سماع من كان دونه في العُمر، وله ذكاءٌ وفطنة، انتهى، رأيته بصحة حكاية الصَّبيِّ.
قوله (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ) الأتان الأنثى من الحمير، ولا يقال (أتانة) ولمَّا كان الحمار شاملًا للذَّكر والأنثى؛ خصَّصه بقوله (أتان) ، ولو قال (حمارة) لاحتمل أن يكون للوحدة والتَّأنيث، فأتى بـ (أتان) ليكون نصًّا في أنوثته؛ قاله الكرمانيُّ، واعترض بما ذكرته في الإعراب، و (حِمَارٍ أَتَانٍ) يثبتونهما إمَّا على البدل أو على الوصف.
وقال بعضهم هو وصفٌ لحمار، على معنى صُلْب قويٍّ، مأخوذٌ من الأتان، وهي الحجارة الصُّلبة، والمراد بالبدل بدل الغلط أو بدل البعض من الكلِّ، إذ الحمار اسم جنسٍ يشمل الذَّكر والأنثى، كما قالوا بعيرٌ وضبط بالإضافة أيضًا؛ أي حمار أنثى، وقال ابن الأثير إنَّما قال حمار أتان؛ ليعلم أنَّ الأنثى من الحمر لا تقطع الصَّلاة، فكذا لا تقطعها المرأة.
قوله (نَاهَزْتُ) أي قاربتُ.
قوله (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) فيه جواز صلاة الإمام إلى غير سترة، وهو دالٌّ على أنَّ الصَّلاة
ج 1 ص 98
لا يقطعها شيءٌ، كذا ذكره ابن بطَّال [9] ، لكن بوَّب عليه البخاريُّ (سترة الإمام سترة لمن خلفه) [خ¦493 قبل] وحكى ابن عبد البرِّ وغيره فيه الإجماع [10] ، قال (وقد قيل أنَّ الإمام نفسه سترة لمن خلفه، وقد قال «فلم ينكر ذلك عليَّ أحد» [خ¦493] ) [11] .
نعم؛ البيهقيُّ ترجم عليه (باب من صلَّى إلى غير سترة) ثمَّ ذكر عن الرَّبيع عن الشَّافعيِّ أنَّ قول ابن عبَّاسٍ إلى غير جدار يعني _والله أعلم_ إلى غير سترة [12] .
قال ابن النَّحويِّ(ويؤيِّد هذا رواية البزَّاز في حديث ابن عبَّاس «وهو يصلِّي المكتوبة ليس شيءٌ يستره يحول بيننا وبينه» [13] ورجاله رجال الصَّحيح.
ثمَّ قال البيهقيُّ «وهذا يدلُّ على خطأ من زعم أنَّه عليه السَّلام صلَّى إلى سترة، وأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه» ، وأيَّده بما روى ابن أبي وداعة [في المجموع أنَّ ابن وداعة] قال «رأيتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي، مما يلي بابَ بني سَهْم والنَّاس يمرُّون بين يديه، ليس بينه وبين الطَّواف سترة» [14] ) انتهى [15] .
قوله (بَعْضِ الصَّفِّ) يحتمَل أن يُرادَ به صفٌّ من الصُّفوف، أو بعض من الصَّفِّ الواحد، والمراد من الصَّغير عمر البالغ ليطابق حديث ابن عبَّاس التَّرجمة.
خاتمة
الكرمانيُّ قوله (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) أي متوجِّهًا إليه، وقيل المراد إلى غير سترة.
إن قلتَ لفظ (إلى غير جدار) لا ينفي شيئًا غيره، فكيف فسَّره بغير سُتْرة؟
قلتُ إخبار ابن عبَّاس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار مع أنَّهم لم ينكروا عليه، وأنَّه مظنَّة إنكار، يدلُّ على حدوث أمر لم يُعْهَد قبل ذلك، من كون المرور مع السُّترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى غير الجدار؛ لم يكن لهذا الإخبار فائدة، وقوله (بَيْنَ يَدَيْ) هو مجازٌ عن القدَّام، لم ينكر؛ أي الشَّارع، ورُوي أيضًا بلفظ المجهول، أي لا الشَّارع ولا غيره.
[1] انظر «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/ 162) .
[2] «التنقيح» (1/ 61) .
[3] «صحيح مسلم» (2416) .
[4] «السيرة النبوية» (2/ 214) .
[5] «الطبقات الكبرى» (2/ 65) ، «الاستيعاب» (2/ 603) .
[6] أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (4728) .
[7] «المنهاج شرح صحيح مسلم» (13/ 12) .
[8] راجع «التوضيح» (3/ 397) .
[9] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/ 162) .
[10] «التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد» (4/ 188) .
[11] «الاستذكار» (2/ 274) .
[12] «سنن البيهقي الكبرى» (3293) (2/ 273) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
[13] «مسند البزار» (4951) (11/ 201) .
[14] «سنن البيهقي الكبرى» (3295) (2/ 273) .
[15] «التوضيح» (3/ 389) .