1922 - (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي ليس حالي مثل حالكم، أو لفظ (الهيئة) زائد؛ أي لست كأحدكم، والموجب للنَّهي عنه إيراث الضَّعف، والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطَّاعات والقيام بحقوقها، وللعلماء اختلاف في أنَّه نهي تحريم أو تنزيه، والظَّاهر الأوَّل.
والفرق بينه وبين غيره أنَّه تعالى يفيض عليه ما يسدُّ مسدَّ طعامه وشرابه من حيث أنَّه يشغل من إحساس الجوع والعطش وتقوية على الطَّاعة ويحرسه عن تحليل يقضي إلى ضعف القِوَمْ وكَلال الحواس، أو هو محمول على الظَّاهر بأن يرزقه الله تعالى طعامًا وشرابًا من الخفَّة ليالي صيامه كرامة له؛ أي هو إمَّا مجاز عن لازم الطَّعام والشَّراب، وهو القوَّة، وإمَّا حقيقة فيهما.
النَّوويُّ الصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّه لو أكل حقيقة؛ لم يكن مواصلًا، وممَّا يوضِّحه أنَّ لفظة (أَظَلُّ) لا يكون إلَّا في النَّهار، يقال ظلَّ يفعل كذا؛ إذا فعله في النَّهار دون اللَّيل، ولا يجوز الأكل الحقيقيِّ في النَّهار، أقول والثَّاني أيضًا صحيح، وكأنَّه قال إنِّي أيضًا لست بمواصل لكن لا على صورة طعامكم وسقيكم.
ولا يوضحه (ظلَّ) ؛ لأنَّه جاء بمعنى (صار) ، قال تعالى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النَّحل 58] ، وجاز أيضًا إرادة الوَقْت المُطْلق منه لا المقيَّد بالنَّهار، وقد جاء في الرِّوايات أيضًا (أَبِيْتُ) والجمع بين الرِّوايتين أولى.
إن قلتَ أين مَوْضع الدَّلالة على
ج 1 ص 573
التَّرجمة؟
قلتُ لعلَّه استفاد الجزء الثَّاني منها من مواصلة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ لو كان السَّحور واجبًا؛ لما واصله، وأمَّا الجزاء الأوَّل؛ فهو من الحديث الَّذي بعده، والأولى أن يقال الأصل عدم إيجاب التَّسحُّر وكيف وإباحة الوصال من خصائصه عليه السَّلام، فلا دلالة على عدم الوجوب مطلقًا، وإذا حملنا الطَّعام والسَّعي على الحقيقتين، فتظلُّ تلك الاستفادة بالكلِّيَّة.
إن قلتَ لفظ (نَهَاهُمْ) دليل إيجاب أكل السَّحور؛ لأنَّ النَّهي عن الشَّيء أمر بضدِّه، والنَّهي عن الوصل أمر بالفصل، فهو منافٍ للتَّرجمة.
قلتُ الوَصْل أعمُّ من الأكل آخر اللَّيل، فلا يتعيَّن التَّسحُّر.
ابن بطَّال السَّحور مُسْتحبٌّ ولا إثم على تاركه، وخصَّ أمَّته لتكون لهم قوَّة على صيامهم.
وقول البخاريِّ في هذه التَّرجمة أنَّه عليه السَّلام وأصحابه واصلوا ولم يذكر سجوده غفلة منه؛ لأنَّه قد خرَّج في (باب الوصال إلى السَّحَر) حديث أي سعيد أنَّه عليه السَّلام قال «أيُّكم أراد أن يواصل؛ فليواصل حتَّى السَّحَر» ، فحديث أبي سعيد لا يقضي على المُجْمل الَّذي لم يُذكَر فيه السَّحور.