فهرس الكتاب
129 -قوله (لَا [1] أَخَافُ) ليس (لا) داخلًا على (أخاف) إذ الخَوْف مُثْبتٌ لا منفيٌّ، بَلْ مَعْناه لا تُبشِّر، وأخاف استئناف الكلام على سبيلِ التَّعليلِ [2] ، كأنَّه قال لمَ فقال لأنِّي أخاف أن يَعْتمدوا على مجرَّد التَّوحيد، وفي بعضها لا، إنِّي أخاف أن يتَّكلوا.
فائدة أخبر الشَّارع عليه السَّلام أنَّه إذا قال ذلك حَرُمَ على النَّارِ [خ¦425] ، ومظالم العباد لا تَسْقط إجماعًا، وأيضًا من خلط ففعل المحرَّم وصنع ما وَجَب تحت المشيئة والجمع بينهمَا أنَّ هذا قبل نزول الفرائض والأمر والنَّهي، أو أنَّ ذلك لمن قالها وأدَّى حقَّها وفرائضهَا، أو أنَّ ذلك لمن قالها عند النَّدم والتَّوبة ومات عليها، أو المراد حَرُمَ عليه الخلود، انتهى [3] .
وقال الكرمانيُّ إن قلتَ الحديث متمسك المرجئة والاعتقادَ بمقتضاه يَسْتلزم وطء بساط الشَّريعة والخروج من الضَّبْط والدُّخول في الخبط من الجسارة على إراقةِ دماء المسلمين ونهب أموالهم ومدِّ الايدي إلى النِّساء الأجنبيَّات، فما وجهه؟
قلتُ كان ذلك قبل نزول الفرائض، فمن شهد في ذلك الوقت به فقد أتى بما وجب عليه، وقيل الشَّهادةُ منَ القَلْبِ، إنَّما هي بأداء حقوقها.
وقيل المرادُ أنَّ كلَّ كافرٍ يَشْهد بذلك ومات قبل أن يتمكن من العمل حرَّمه الله تعالى على النَّار، أو هو لمن قالها عند النَّدم والتَّوبة ومات عليها، أو نقول بموجبه وتعارضه بالنُّصوص الواردة في عذابِ العصاة.
إن قلتَ ترجمة الباب لتخصيص القوم، وما في الحديث دلَّ على تخصيص شخصٍ واحدٍ وَهُوَ مُعَاذ.
قلتُ المقصودُ جواز التَّخصيص إمَّا بشخصٍ أو بأكثر، وأمَّا أمر اختلاف العبادة؛ فسهلٌ، أو ليس مَخْصوصًا بشخصٍ؛ لأنَّ أنسًا
ج 1 ص 130
أيضًا سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما دلَّ عليه السِّياق، وأقلَّ اسم الجمع اثنان، أو معاذ كان أمَّةً قانتًا لله حنيفًا؛ قاله ابنُ مَسْعود، فقيل له يا أبا عَبْد الرَّحمن إنَّ إبراهيم عليه السَّلام كان أمَّة، فقال إنَّا كنَّا نشبِّه معاذًا بإبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم على جميع الأنبياء رضي الله تعالى عن جميع الصَّحابة.
خاتمة قوله (لا يشرك بالله شيئًا) أي يوحِّده.
إن قلتَ الإشراك لا يتصوَّر في القيامة وحقُّ الظَّاهر أن يقال ولم يشرك به؛ أي في الدُّنيا.
قلتُ أحكام الدُّنيا مستصحبة إلى الآخرة، فإذا لم يشرك في الدُّنيا عند الانتقال إلى الآخرة صدق أنَّه لا يشرك في الآخرة، أو المراد بلقاء الله أجل الله؛ أي مَنْ مات حال كونه موحِّدًا حين الموت.
إن قلتَ التَّوحيد بدون اثبات الرِّسالة كيف ينفعه، ولا بدَّ من انضمام محمَّد رسول الله إلى لا إله إلَّا الله.
قلتُ هو مثل من توضَّأ صحَّت صلاته؛ أي عند حصول سائر شرائط الصِّحَّة، فمعناه من لقي الله موحِّدًا عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به، أوْ علم الشَّارع أَنَّ منَ النَّاس من يَعْتقد أنَّ المشرك أيضًا يدخل الجنَّة، فقال كذلك الاعتقاد من لقي الله لا يشرك دخل الجنَّة؛ أي لا غيره.
[1] زيد في «اليونينيَّة» (إِنِّي) ، وهي ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ الهَرَوي وابن عسَاكر والأصِيلي.
[2] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 158) .
[3] انظر «الكاشف عن حقائق السنن» (25) (2/ 475) ، «التوضيح» (3/ 659) .