فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 6723

128 -قوله (عَلَى الرَّحْلِ) متعلِّقٌ بـ (رديفه) والجملة حالٌ، وقال هو خبرٌ لـ (أنَّ) ويحتمل أن يكون (على الرَّحل) حالًا من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

قوله (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) يختار فيه فتح الذَّال، ويجوز ضمُّها، انتهى.

والنُّون أيضًا من (ابن) مضمومة ومفتوحة، والتَّوجيه ظاهرٌ.

قوله (لَبَّيْكَ) مَعْناه أنا مقيمٌ على طاعتك.

و (سَعَدَيْكَ) أي مُسَاعد طاعتك وهما من المَصَادر الَّتي يجب حذف فعلها، وكان حقهما أن يقال لبًا لك وإسعادًا لك، ولكن ثُنِّيَا على معنى التَّأكيد والتَّكثير؛ أي إلبابًا بعد إلباب؛ أي إقامة بعدَ إقامةٍ، وإجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعدَ إسعادٍ.

قوله (ثَلَاثًا) يتعلِّق بقول مُعَاذٍ ويُحتمَلُ أن يتعلَّق بقول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا؛ يعني قال النَّبيُّ (يا معاذُ) ثلاث مرَّاتٍ، وقال معاذ لبَّيك ثلاث مراتٍ أيضًا، فيكون من تنازع الفعْلين.

قوله (مِنْ قَلْبِهِ) يجوز به عن شهادة المنافقين.

و (مِنْ قَلْبِهِ) يمكن تعلُّقه بـ (صادق) فالشَّهادة لفظيَّة ويتشهَّد فالشَّهادة قلبيَّة.

وقال بعضهم الصِّدق كما يُعبَّر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه قد يُعبَّر به عن تحرِّي الأفعال الكاملة، {وَالَّذِيْ جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزُّمر33] ؛ أي حقَّق ما أورده قولًا بما تحرَّاه فعلًا.

فائدة معنى التَّحريم المنع، كما في قوله تعالى {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء95] .

إن قلتَ هل في المعنى فرق بين (حرَّمه الله على النَّار) و (حرَّم الله عليه النَّار) ؟

قلتُ لا اختلاف إلَّا في المفهومين، وأمَّا المعنيان؛ فمتلازمان.

إن قلتَ فهل تفاوت بين ما في الحديث وبين ما ورد في القرآن حرَّم الله على الجنَّة؟

قلتُ يُحتمَل أن يقال النَّار متصرِّفة، والجنَّة متصرَّفٌ فيها، والتَّحريم إنَّما هو على المتصرِّف أنسب فروعي المناسبة.

إن قلتَ (إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) استثناءٌ عمَّاذا؟

قلتُ من أعمِّ عامِّ الصِّفات؛ أي ما أحد يشهد كائنًا لصفة إلَّا لصفة التَّحريم.

قوله (أَفَلَا أُخبِرُ بِهِ) إن قلتَ الهمزة تقتضي الصَّدارة، فما وجه جمعها؟

قلتُ المعطوف عليه مقدَّرٌ بعد الهمزة، نحو أقلتَ ذلك؟ فلا أخبر.

قوله (فَيَسْتَبْشِرُوْنَ) النُّون محذوفةٌ؛ لأنَّ الفاء وقعت بعد النَّفي أو الاستفهام أو العرض، وفي بعضها بالنُّون؛ أي فهم يستبشرون.

إشارة البشارة هي إيصال خبرٍ إلى أحدٍ يظهر أثر السُّرور منه على بشرته.

ج 1 ص 129

قوله (إذن) جوابٌ وجزاءٌ؛ أي إن أخبرتَهم يتَّكلوا، فكأنَّه قال لا تخبرهم؛ لأنَّهم حينئذٍ يتَّكلون على الشَّهادة المجرَّدة فلا يشتغلون بالأعمال الصَّالحة، والاتِّكال أصله الاوتكال، فقُلِبَت الواو تاءً وأُدغمَت التَّاء في التَّاء، وفي بعضها (ينكلون) بالنُّون من النِّكال.

(تَأَثُّمًا) أي تجنُّبًا عن الإثم، يُقال تأثَّم فلانٌ؛ إذا فعل فعلًا خرج به عن الاثم.

(بَعْدَ [1] مَوْتِهِ) الضَّمير راجعٌ إلى مُعَاذ، وإن احتمل أن يرجع إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فالبعديَّة [2] على هذا الاحتمال باعتبار التَّأخُّر عن الموت، وعلى الأوَّل؛ أي على ما هو الظَّاهر باعتبار التَّقدُّم على الموت.

و (أُخْبِرُ) إلى آخره مدرجٌ في الحديث، والمدرج هو أنسٌ، وهذا الحديث السِّياق دالٌّ على أنَّه من مَسَانيدِ أنس، نعم، لو كان المراد من (أَخْبَرَ بها معاذٌ) أنَّه أخبر بها أنسًا رضي الله تعالى عنهما، ويروي أنسٌ ذلك عنه، وإخباره يَصيرُ من مسند مُعَاذ، وهذا جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ كأن قائلًا قال لِمَ خالف معاذ قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبر به النَّاس، فأجاب بأنَّه احترز عن إثم كتمان العلم.

إن قلتَ هَب أنَّه يأثم من الكتمان، فكيف لا يأثم من مخالفة قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّبْشير؟

قلتُ كان مقيَّدًا بالاتِّكال، فإذا زال القيد؛ زال المقيَّد، علم معاذ أنَّ النَّهي عن الإخبار لأجل أن لا يعتمدوا عليه ويتركوا العمل، والقوم يومئذٍ كانوا حديثي العهد بالإسلام، فلمَّا استقاموا وثبتوا وصاروا حريصين على العبادة حيث علموا أنَّ عبادة الله تزيد قربًا إليه أخبرهم، أو عَلم أنَّه عليه السَّلام لم ينهَ معاذًا نهي تحريم، أو نقول روى ذلك بعدَ ورود الأمر بالتَّبليغ والوعيد على الكتمان والنَّهي كان قبل ذلك، أو لعلَّ المنع ما كان إلَّا من العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهيَّة، لا يجوز كشْفها إلَّا للخواص؛ خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له، فيتَّكل عليه، ولهذا لم يخبر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم به إلَّا لمن أمن عليه الاتِّكال من أهل المَعْرفة، وسلَك معاذٌ أيضًا هذا المَسْلك حيث أخبر به من الخاصِّ من رآه أهلًا لذلك، ولا يَبْعد أيضًا أن يقالَ أنَّ نداء الرَّسول عليه السَّلام معاذًا ثلاث مرَّات كان للتَّوقُّف في إفشاء هذا السِّرَّ عليه أيضًا [3] .

[1] في الأصل (بعد) ، ولم أقف عليها في رواية، والمثبت هو الرواية. [المثبت في خ 1 (عند) ]

[2] كذا في الأصل، وفي مصدره (فالعنديَّة) .

[3] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 155 - 156) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت