398 -قوله (رَكَعَ) أطلق الجزء وأراد الكلَّ؛ أي (صلَّى) ، و (قُبُلِ) رُوِيَ بضمِّ القاف، والموحَّدة كليهما، ويجوز إسكان الموحَّدة، ومعناه مقابلها، أو مَا استقبلك منهَا، والمراد منه مقام سيِّدنا إبراهيم؛ ليدلَّ على التَّرجمةِ.
قوله (هَذِهِ القِبْلَةُ) أي الأمر قد استقرَّ على ذلك، فلا نسخٌ بعد ذلك، فصلُّوا إليها أبدًا، ويُحتمَل أنَّه عليه السَّلام علَّمهم سنَّة موقف الإمام، وأنَّه يقف في وَجْهها دونَ أركانها وجوانبها، وإن كانت الصَّلاة في جميع جهاتها مُجْزِئة، وقد قام الإجماع على أنَّ الكعبةَ كلَّها قِبلة من أيِّ ناحيةٍ استُقبِلَت.
قال الثَّاني الخطَّابيُّ.
ج 1 ص 261
ويُحتمَل أنَّه دلَّ بهذا القولِ على أنَّ حكم من شاهد البيت وعاينه؛ خلاف حكم الغائب عنه فيما يلزمه من مواجهته عيانًا دونَ الاقتصار على الاجتهاد، وذلكَ فائدة ما قال هذه القِبلة، وإن كانوا قد عرفوها قديمًا وأحاطوا بهَا علمًا.
النَّوويُّ ويحتملُ معنًى آخر؛ وهو أنَّ معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الَّذي أُمِرتُم باستقبالهِ؛ لا كلُّ الحرم ولا مكَّة ولا كلَّ المسجد الَّذي هو حول الكعبة، بل هي الكعبة نفسها فقط.
قال وأجمع أهل الحديث على الأخذ بروايةِ بلال؛ لأنَّه مُثبِتٌ، فمعه زيادة علمٍ فوجب ترجيحه.
وأمَّا نفي من نفى كأسامة فَسببه؛ أنَّهم لمَّا دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدُّعاء، فرأى أسامة النَّبيَّ عليه السَّلام يدعو، فاشتغل هو أيضًا بالدُّعاء في ناحيةٍ من نواحي البيت، والرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في ناحيةٍ أخرى، وبلال قريبٌ منه، ثمَّ صلَّى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرآه بلال لقُربه، ولم يره أسامة لبُعدِهِ، مع خفَّة الصَّلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدُّعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنِّه.
قال بعض العلماء يُحتمَل أنَّه عليه السَّلام دخل البيت مرَّتين، فمرَّة صلَّى فيه، ومرَّة دعا ولم يصلِّ، فلم تتضادَّ الأخبار، والله تعالى أعلم.