فهرس الكتاب

الصفحة 6507 من 6723

(1) قوله (تَوْحِيدِ اللهِ) إنْ قُلتَ ما معناهُ؛ إذ هو واحدٌ أزلًا أبدًا قبلَ وجودِ المُوحِّدينَ وبعدَهُم.

قُلتُ يعني به إثباتَ الوَحدانيَّةِ بالدَّليلِ، أو معناهُ النِّسبةُ إلى الوَحدانيَّةِ؛ نحو فسَّقتُ زيدًا؛ أي نسبتُهُ إلى الفسقِ.

ولمَّا فرغَ البُخاريُّ من مسائلِ أصولِ الفقهِ؛ شرعَ في مسائلِ أصولِ الكلامِ، وما يتعلَّقُ بها وبذلكَ ختمَ كتابَهُ.

إنْ قُلتَ الأَولى تقديمُ الكلاميَّاتِ على سائرِ ما في «الجامعِ» ؛ لأنَّها الأصلُ وهو الأساسُ، والكلُّ [متفرِّعٌ عنهُ مبنيٌّ] [1] عليهِ، فالوضعُ الطَّبيعيُّ أنْ [2] تقدَّمَ مسائلُ أصولِ الكلامِ [على أصولِ] الفقهِ، ثمَّ على مسائلِ الفقهِ ونحوِها من سائرِ العمليَّاتِ.

قُلتُ لعلَّهُ من بابِ التَّرقِّي إرادةً لختمِ الكتابِ بالأشرفِ، و {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين 26] .

ثمَّ إنَّه قدَّمَ التَّوحيدِ على غيرِهِ؛ لأنَّهُ أصلُ الأصولِ، وهو معنى كلمةِ الشَّهادةِ الَّتي هي شعارُ الإسلامِ.

قالُوا صفاتُ اللهِ تعالى إمَّا عدميَّةٌ، وإمَّا وجوديَّةٌ؛ أي نفيٌ للنَّقائصِ وإثباتٌ للكمالاتِ، والأُولى تُسمَّى بصفاتِ الجلالِ، والثَّانيةُ بصفاتِ الإكرامِ، {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 78] ، وقدَّمَ العَدَميَّةَ على الوجوديَّةِ؛ لأنَّ مقتضى العقلِ أنْ يُنفَى النُّقصانُ عنِ الشَّيءِ، ثمَّ يُثبَتُ لهُ الكمالُ؛ كما يقالُ التَّخليةُ مقدَّمةٌ على التَّحليةِ، وأشرفُ الجلاليَّاتِ _يقالُ لها التنزيهاتُ_ نفيُ الشَّريكِ؛ يعني التَّوحيدَ، ولهذا قدَّمَهُ، وهو وإنْ كانَ أوَّلَ الواجباتِ، لكنَّهُ آخرُ ما تنحلُّ إليهِ المقاصدُ، ثمَّ الوجوديَّةُ حصرُوها في صفاتٍ سبعةٍ الحياةِ، والإرادةِ، والعلمِ، والقدرةِ، والسَّمعِ، والبصرِ، والكلامِ، والباقي من صفةِ الرَّحمةِ والخَلْقِ ونحوِها بتمامِها راجعٌ إليها لا يخرجُ عنها، وختمَ البُخاريُّ بصفةِ الكلامِ؛ لأنَّهُ مدارُ الوحيِ وبهِ تثبتُ الشَّرائعُ، ولهذا افتتحَ الكتابَ ببدءِ الوحي، فالانتهاءُ إلى ما فيه الابتداءُ.

إنْ قُلتَ ختمُ الكتابِ هو إثباتُ الميزانِ.

قُلتُ ذكرُهُ ثمَّةَ ليسَ مقصودًا بالذَّاتِ، بل هو لإرادةِ أنْ يكونَ آخرَ كلامِهِ تسبيحًا وتحميدًا؛ كما أنَّهُ [ذكرَ] حديثَ النِّيَّةِ في أوَّلِ الكتابِ؛ إرادةً لبيانِ إخلاصِهِ فيهِ، ففيهِ الإشعارُ بما كانَ عليهِ مؤلِّفُهُ في حالتِهِ أوَّلًا وآخِرًا، باطنًا وظاهرًا جزاهُ اللهُ تعالى خيرًا [3] .

[1] ما بين معقوفين بياض في الأصل، وهو مستفاد من مصدره.

[2] في الأصل (إلى) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.

[3] انظر «الكواكب الدراري» (25/ 95 - 96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت