عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله تعالى وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في كتب الرقائق والقسم الثاني لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق وشر الأقسام فإنهم ربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر والقسم الثالث عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع عدم إهمال الأسباب والعوائد بل طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهم النبيون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته
وهم خير الأقسام الثلاثة جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه قال والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب أنه إذا قيل الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا والآخرة وإن اعتبرهما فقال لا بد من الإيمان وترك الكفر قيل له ما بال غيرهما من الأسباب فإن هذين إن كانا لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم الأسباب نوعان نوع مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس ونحو ذلك ونوع أكثري غير مطرد أجرى الله فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك ولكن الأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده