وصل في تحرير هاتين القاعدتين ببيان الفرق بين قاعدتي الكبائر والصغائر وبين قاعدتي الكبائر والكفر وبين أدنى رتب الكبائر وأعلى رتب الصغائر وبين أدنى رتب الكفر وأعلى رتب الكبائر وهذه مواضع شاقة الضبط عسيرة التحرير وفيها غوامض صعبة على الفقيه والمفتي عند حلول النوازل في الفتاوى والأقضية واعتبار حال الشهود في التجريح وعدمه أما بين الكبائر والصغائر فاعلم أنه لا خلاف بين العلماء في أن كل ذنب باعتبار اشتماله على مخالفة الله تعالى كبيرة لأن مخالفة الله تعالى على الإطلاق أمر كبير ولا خلاف بينهم أيضا في أن ما الذم عليه والعقوبة به إن نفذ على مرتكبه الوعيد أشد فهو من الذنوب الكبائر وأن ما الذم عليه والعقوبة به إن نفذ على مرتكبه الوعيد أخف فهو من الذنوب الصغائر إذ الكتاب والسنة والقواعد المستفادة منهما وهي أن ما عظمت مفسدته يقدح في العدالة وما لا فلا تقتضي القطع بالتفاوت بين الذنوب في الذم والعقاب إن نفذ الوعيد والكتاب قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فجعلها رتبا ثلاثة الكفر رتبة أولى والفسوق ثانية والعصيان ثالثة يلي الفسوق وهو الصغائر فجمعت الآية بين الكفر والكبائر والصغائر
وسمي بعض المعاصي فسوقا دون بعض وقوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم الآية وقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم فإن فيها صراحة في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر
والسنة قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيحين
اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وفي رواية لهما الكبائر الإشراك بالله والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس زاد البخاري واليمين الغموس ومسلم بدلها وقول الزور