فأما الأول فهو المباح بالجزء باعتباره في نفسه المطلوب الفعل بالكل باعتبار ما هو خادم له وأما الثاني فهو المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بالاعتبارين المذكورين بمعنى أن المداومة عليه منهي عنها وأما الثالث والرابع فراجعان إلى هذا القسم الثاني وذلك أن المباح إن كان خادما يعتبر بما يكون خادما له والخدمة إن كانت في طرق الترك كترك الدوام على التنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام والغناء المباح كان ترك الدوام فيه هو المطلوب من حيث هو خادم لما يضاد الضروريات وهو الفراغ من الاشتغال بها وإن كانت في طرف الفعل كالاستمتاع بالحلال من الطيبات كان الدوام فيه بحسب الإمكان من غير سرف هو المطلوب من حيث هو خادم المطلوب وهو أصل الضروريات والخادم للمخير فيه على حكمه لأنه خادم له فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل
وأما الرابع فلما كان غير خادم لشيء يعتد به كان عبثا أو كالعبث عند العقلاء فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل وتلخص أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك مثلا هذا الثوب الحسن مباح اللبس قد استوى في نظر الشرع فعله وتركه فلا قصد له في أحد الأمرين وهذا معقول واقع بهذا الاعتبار المقتصر به على ذات المباح من حيث هو كذلك وهو من جهة ما هو وقاية للحر والبرد وموار للسوأة وجمال في النظر مطلوب الفعل وهذا النظر غير مختص بهذا الثوب المعين ولا بهذا الوقت المعين فهو نظر بالكل لا بالجزء ا ه بتغيير وتوضيح للمراد والله سبحانه وتعالى أعلم