الأمر الثاني قولهم إنه ماء الذنوب لقوله {صلى الله عليه وسلم} إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أطراف أذنيه الحديث وإذا كان ماء الذنوب يكون نجسا لأن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا والنجاسة هي منع شرعي فإذا حصل المنع حصلت النجاسة وفيه أن النجاسة في الشرع إنما تكون في الأجرام عند اتصافها بأعراض أخر والذنوب ليست أجراما حتى توجب التنجيس والذنوب في قولهم إن ملابسة الذنوب حرام في الشريعة معناها أفعال خاصة للمكلف اختيارية مكتسبة متعلقة بأشياء مخصوصة والذنوب هنا معناها استحقاق المؤاخذة وذلك حكم من الله تعالى لا فعل للمكلف ومما يتعلق بالله تعالى ويختص به لا اختيار للمكلف فيه
ولا كسب وحينئذ لا يوصف بتحريم ولا تحليل فظهر أنه لا حقيقة لدعوى أن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا بل هو محض إيهام
الأمر الثالث أنه لم ينقل عن أحد من السلف رضي الله عنهم وهم يباشرون الأسفار مع قلة الماء فيها أنه جمع ماء طهارته ليستعمله بعد ذلك فكان ذلك إجماعا على أن الماء المستعمل لا يتطهر به وفيه أن النزاع إنما هو في الماء المستعمل إذا لم يتغير وماء طهارة السلف في أسفارهم ففيه مانع آخر غير كونه مستعملا إذ الغالب فيه التغير لا سيما في زمن الصيف وشعث السفر فلا ينفصل إلا متغيرا بالإعراق وغيرها والمتغير لا يصلح للتطهير والله أعلم
اعلم أن الفرق بينهما إما أن يبني على أن عين ما في الباطن هو عين ما في الخارج من العذرة والبول وغيرهما وأنه إذا حكم لما في الباطن من ذلك بالطهارة لزم أن يحكم لما في الخارج بها أيضا وأنه لما لم يحكم لما في الخارج بالطهارة إجماعا عادل ذلك على أنه لم يحكم لما في الباطن بالطهارة بل هو نجس فيكون