ولا ينقضه بل يزجر عن الخصومة فيه نظرا لوجهين هما سر الفرق بين القاعدتين المذكورتين أحدهما أنه لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام وعلى هذا الوجه اقتصر المحلي حيث قال إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض وهلم فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الحكومات وثانيهما أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضي الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده فهو منشئ لحكم الإلزام فيما يلزم والإباحة فيما يباح كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء بمعنى
أنه منفذ لحكم الله تعالى على وجه الإلزام بل إن الله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو إما نفس حكمه تعالى بناء على القول بتصويب المجتهدين وإما أنه كالنص الوارد من قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة من جهة منعه تعالى من نقض أحكام المجتهدين لما في ذلك من المفسدة بناء على القول بعدم التصويب فيئول الحال فيها إلى ما يشبه تعارض الخاص والعام بوجه ما فيقدم الخاص على القاعدة في أصول الفقه مثلا دل الدليل عند مالك رحمه الله تعالى على أن تعليق الطلاق قبل ملك العصمة يلزم وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق على ذلك النكاح كان حكم الشافعي كالنص من الله تعالى الوارد من خصوص تلك الصورة من الجهة المذكورة فيكون الحال في هذه الصورة بمنزلة ما لو قال الله تعالى التعليق قبل الملك لازم وقال التعليق قبل الملك في حق هذه المرأة غير لازم والعصمة فيها تستمر فقلنا هذان نصان خاص وعام فنقدم الخاص على العام على القاعدة الأصولية فكما أن مالكا رحمه الله تعالى يقول فيما لو قال الله تعالى اقتلوا المشركين