القرود فأفادتها الرقص وأكلت الفرنج الخنازير فأفادتها عدم الغيرة وأكلت الترك الخيل فأفادتها القساوة وأكلت العرب لحوم الإبل فأفادتها الحقد أي والإيثار للضيف ما لم يحصل عند غيرهم من الأمم إذ كما أن شأن الجمل الحقد بحيث يأخذ ثأره ممن آذاه بعد مدة طويلة كذلك شأن الإبل الإيثار بأقواتها بحيث يجوع الجمع منها الأيام ثم يوضع لها ما تأكله مجتمعة فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة بعضها بعضا بل معرضة عن ذلك وعن مقدار ما أكله غيرها مما يجاورها بخلاف غيرها من الحيوانات فإنها تقاتل عند الاعتداء على حوز الغذاء وتمنع من يأكل معها أن يتناول شيئا كما هو مشاهد في السباع والكلاب والأغنام وغيرها والقاعدة أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة كما تقدم توضيح ذلك في الفرق السادس والثلاثين والمائة جزم الفقهاء بتحريم سباع الوحش لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم مثل أخلاقهم فتعظم المفسدة ولما قصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك تردد الفقهاء في تحريمها فمنهم من نهض عنده ذلك للتحريم دفعا لمفسدة سوء الأخلاق وإن قلت ومنهم من لم ينهض عنده ذلك للتحريم لخفة أمره فاقتصر به على الكراهة فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم
وكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو التاسع والثلاثون والمائة ما عدا قوله في انحصار المبتدأ في الخبر وما عدا قوله أن قول الحنفية يلزم فيه التعارض دون قول المالكية والشافعية وقد تقدم التنبيه على الأمرين في الفرق الثالث والستين
الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات