ذلك، حتى ليصبح اللفظ الأجنبي في موقعه أفصح من نظيره العربي فلو حاولنا أن نرفع لفظ (إستبرق) من قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى ََ فُرُشٍ بَطََائِنُهََا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [1] ، لنضع مكانه كلمة (حرير) مثلا، لما وقع اللفظ الثاني موقع الأول من الفصاحة والبلاغة [2] .
ولتوضيح هذا نسوق قول السيوطي: وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرّب في القرآن فائدة أخرى فقال: «إن قيل إن (إستبرق) ليس بعربي وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظة تقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك. فمثلا كلمة (إستبرق) إن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدل عليه لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عهد ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عربوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لقلة وجوده عندهم وندرة تلفظهم به. وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فإنه يكون قد أخل بالبلاغة، لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل فعلم بهذا أن لفظ (إستبرق) يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه. وأي فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله؟!» ا. هـ. [3]
ويؤكد هذه الحقيقة الرافعي إذ يقول: «ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن. إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني
(1) سورة الرحمن، الآية: 54.
(2) أصل العرب ولغتهم بين الحقائق والأباطيل: د. عبد الغفار هلال، ص 91، ط. أولى دار الطباعة المحمدية سنة 1401هـ. وراجع: محاضرات في فقه اللغة العربية: د. عبد الله العزازي ص 29، بدون ذكر الطباعة والتاريخ.
(3) المهذب: للسيوطي، (المقدمة) ، ص 1815، بتصرف.