الحق من سليقتك، فتجد أنها جاءت من باب التعجيز لا من باب الإعجاز» [1] .
وإذ قد بينا فيما سبق مدى الجهل الذي وقع فيه الخوري حداد، وحاول دون جدوى أن يطمس نور الحقيقة بزيفه وتحريفه، فإن ما تمثل به من الجهل هنا لا يقل عما سبق، وإليك هذه الحقائق الصريحة التي جهلها لنقف على مدى الخلط والباطل الذي اشتمل عليه كلامه، ونسج وهمه وخياله.
نقول: إن تبادل التأثير والتأثر بين اللغات قانون اجتماعي إنساني، وإن اقتراض بعض اللغات من بعض ظاهرة إنسانية أقام عليها فقهاء اللغة المحدثون أدلة لا تحصى والعربية في هذا المضمار ليست بدعا من اللغات الإنسانية، غير أنها تفترق عنها: ببراعتها في تمثلها للكلام الأجنبي، عن طريق صوغه على أوزانها، وإنزاله على أحكامها، وجعله جزءا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها [2] .
ولعل العامل الرئيسي في دخول الكلام الأعجمي في اللغة العربية يرجع إلى: ما أتيح للشعوب الناطقة من قبل الإسلام ومن بعده من فرص الاحتكاك المادي والثقافي والسياسي بالشعوب الأخرى وكان من الضروري نتيجة لهذا الاحتكاك: تبادل المصطلحات العلمية، واقتراض مسميات الأشياء التي توجد في أمة ولا توجد في أخرى منها، مما اضطر العربي حتى يساير موكب الحضارة إلى أن يستخدم اللفظ الأجنبي، بعد ما يطوعه للغته فيعرّبه، وبذلك يصير اللفظ عربيا، يضاف إلى لغته، كما يضم إلى ألفاظ ال. [3]
ولم يزعم أحد أن الألفاظ التي تدخل لغة ما من غيرها ثم تحورها على
(1) نظم القرآن والكتاب: الخوري حداد، ص 144.
(2) دراسات في فقه اللغة: د. صبحي الصالح، ص 314، 315. وراجع: من أسرار اللغة: د.
إبراهيم أنيس ص 109وما بعدها.
(3) فقه اللغة: د. علي عبد الواحد وافي، ص 119، 200، ط. دار نهضة مصر. وفقه اللغة: د.
إبراهيم محمد أبو سكين، ص 43، ط. الأمانة سنة 1404هـ.