فهرس الكتاب

الصفحة 1349 من 10772

الحُسْبان الجاهلُ، وفاعلَ التعفف هم الفقراءُ، ولو كان هذا المفعولُ له مستكملًا لشروطِ النصبِ لكان الأحسنُ جَرَّه بالحرف لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جَرَّ هذا النوعِ أحسنُ من نصبِه، نحو: جئت للإكرام، وقد جاء نصبُه، قال:

1084 - لا أقعدُ الجُبْنَ عن الهيجاءِ ... ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ

والثاني: أنها لابتداءِ الغايةِ، والمعنى أنَّ مَحْسَبَةَ الجاهلِ غِناهم نَشَأَتْ من تعفُّفهم لأنه لا يَحْسَب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسَبُه غنى مالٍ، فقد نشأَتْ مَحْسَبَتُه مِنْ تعفُّفهِم، وهذا على أنَّ تعفَّفَهم تعففٌ تام. والثالث: أنها لبيانِ الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال: «يكونُ التعففُ داخلًا في المَحْسَبة، أي: إنه لا يظهرُ لهم سؤالٌ بل هو قليلٌ، فالجاهلُ بهم مع علمِه بفقرِهم يحسَبُهم أغنياءَ عنه، ف» مِنْ «لبيانِ الجنس على هذا التأويلِ، قال الشيخ:» وليس ما قالَه من أنَّ «مِنْ» هذه في هذا المعنى لبيانِ الجنس المصطلحَ عليه، لأنَّ لها اعتبارًا عند القائل بهذا المعنى وهو أن تتقدّرَ «مِنْ» بموصولٍ، وما دَخَلَت عليه يُجْعَلُ خبرَ مبتدأ محذوفٍ كقوله: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] يَصِحُّ أَنْ يُقال: الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا: «يَحْسَبهم الجاهلُ أغنياءَ الذي هو التعفف» لم يَصِحَّ هذا التقديرُ، وكأنه سَمَّى الجهةَ التي هم أغنياءُ بها بيانَ الجنسِ أي: بَيَّنَتْ بأيِّ جنسٍ وَقَع غناهم، أي غناهم بالتعففِ لا غنى بالمالِ، فَسَمَّى «مِنْ» الداخلةَ على ما يبيِّن جهة الغنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت