وعدو عدمًا؛ وإنما قلت: إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، ولم يبق مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير اثني عشر رجلًا.
ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: {فأثابكم} أي جعل لكم ربكم ثوابًا {غمًا} أي باعتقادكم قتل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان اعتقادًا كاذبًا مُلتئم به رعبًا {بغم} أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سببًا للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء بالداء، ثم علله بقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي من النصر والغنيمة {ولا ما أصابكم} أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك