في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق، فاشتد تشوفه إليه فكان كأنه قال: منْ منَ الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين {اتخذوا مسجدًا} أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما قلبه ودليل على ما بعده، ولذلك ختم قصتهم أيضًا بصفتي العلم والحكمة، ولاح من هذا أن قوله {سنعذبهم مرتين} يمكن أن يراد به: مرة برجوعك، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم، وبَيَّنَ سبحانه علة اتخاذهم بقوله: {ضرارًا} أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة {وكفرًا} أي بالله لاتخاذ دينه هزؤًا {وتفريقًا} أي مما يبيتونه من المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك المسجد المؤسس على التقوى {بين المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان بما جاء من عند الله، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم {وإرصادًا} أي إعدادًا وانتظارًا {لمن حارب الله} أي الملك الأعظم {ورسوله} ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل}