الخذلان وأسر الشيطان، ومما يسببه من النيران، ونفى الجميع دون الواحد لأن العقل ناصر لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو استعملوه، أو لأنه ورد جوابًا لنحو {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًا لعلهم ينصرون} [مريم: 81] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في تلافي أمره إلا أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد {لا تجزي نفس عن نفس} [البقرة: 123] ، و {أن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] و {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] في أمثالها.
ولما تحررت الأدلة، وانتصبت الأعلام، واتضحت الخفايا، وصرحت الإشارات، وأفصحت ألسن العبارات، أقبل على خلاصة الخلق، إيذانًا بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، فقال مسببًا عن ذلك ممثلًا لإقباله واستقامته وثباته: {فأقم وجهك} أي قصدك كله {للدين} أي نصبًا بحيث تغيب عما سواه، فلا تلتفت عنه أصلًا فلا تنفك عن المراقبة، فإن من اهتم بشيء سدد إليه نظره، وقوم له وجهه.
ثم عرض بجلافة أهل الضلال وغشاوتهم، وكثافتهم وغباوتهم، وجمودهم وقساوتهم، بقوله: {حنيفًا} أي حال كونك ميالًا مع الدليل هينًا لينًا نافذ الصبر نير البصيرة ساري الفكر سريع الانتقال طائر الخاطر،