بأن التكذيب بالأصلين التوحيد والحشر، وبينهما غاية البيان، رجع إلى تثبيت الأصل الثالث وهو أمر الرسول والتنزيل، ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلم يزد فيه غريزة، ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء، أما المعاني الحسية فمطلقًا، وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة والكسب، ولذلك قالوا:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئًا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد
وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمشي غير مكترث، وأن الصحابة رضي الله عنهم ليجهدون أنفسهم، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقًا من نفسه بأنه يصرع من صارعه، فلم يملكه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول: أن هذا لعجب يا محمد! أتصرعني، وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق