وأن علمه محيط بكل شيء، فيقدر على إيجاده على وجه من البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له - هذا هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته، ونعوذ بالله من عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره، وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلًا، ولا علم له بشيء أصلًا، فقد كسر هذا السؤال بجوابه حجتهم، وبان به غلطهم وفضيحتهم، حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون.
ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان لاعترافهم تنبيهًا لهم على موضع الحجة، أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك قوله التفاتًا إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيرًا لهم بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلًا للقدرة: {الذي جعل لكم} فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا {الأرض مهدًا} أي فراشًا، قارة ثابتة وطية، ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار الماء، ولما جعل الأرض قرارًا لأشباحكم جعل الأشباح قرارًا لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها