فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 6723

744 -قوله (بِأَبِي) الباء متعلِّقة بمحذوف إمَّا اسم فيكون تقديره أنت مفدًّى بأبي، وإمَّا فعل؛ فالتَّقدير فديتك بأبي، وحُذِفَ تخفيفًا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به.

قوله (إِسْكَاتُكَ) أي عن الجَهْر لا سكوت مطلق عن القول، وسيأتي.

قال المظهريُّ إسكاتك بالنَّصب مفعول لفعل مقدَّر؛ أي أسألك إسكاتك مَا تقول فيها، أو في إسكاتك ما تقول، فَنُصِبَ بنزع الخافِض، انتهى

وَوَرَد في «مسلم» أرأيت سكوتك.

قوله (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) كرَّر لفظ البين، ولم يكرِّر بين المغرب والمشرق؛ لأنَّه إذا عُطِفَ على المضمر المجرور؛ أُعيد الخافض.

قال التُّوربشتي ذكر أنواع المطهِّرات المنزلة من السَّماء الَّتي لا يمكن حصول الطَّهارة الكاملة إلَّا بأحدها بيانًا لأنواع المَغْفرة الَّتي لا تخلص من الذُّنوب إلَّا بها؛ أي طهِّرني من الخطايا بأنواع مغفرتك الَّتي في تمحيص الذُّنوب بمثابة هذه الأنواع الثَّلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث.

الطَّيبيُّ يمكن أن يقالَ ذَكر الثَّلج والبرد بعد ذكر الماء؛ لطلبِ شمول الرَّحمة بعدَ المغفرة، والتَّركيب من باب رأيته متقلِّدًا سيفًا ورمحًا؛ أي اغسل خطاياي بالماء؛ أي اغفرها، وزد على الغفران شمول الرَّحمة.

طلب أوَّلًا المباعدة بينه وبين الخطايا، ثمَّ طلب تنقيته ممَّا عسى أن يُبْقي شيء منهَا تنقية تامَّة، ثمَّ سأل ثالثًا بعدَ الغُفْران غاية الرَّحمة تحلية بعد التَّخلية.

أقول والأقرب أن يقال جَعَلَ الخطايا بمنزلة نار جهنَّم؛ لأنَّها مُسْتوجبة لها بحسب وعد الشَّارع.

قال الله تعالى {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن 23] فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمالِ المبرِّدات ترقِّيًا من الماء إلى أبرد منه؛ وهو الثَّلج، ثمَّ إلى أبرد من الثَّلج؛ وَهُوَ البَرَد، بدليل جموده [1] ؛ ولأنَّ مَا هُوَ أبرد فهو أجمد.

وأمَّا تثليث الدَّعوات؛ فيُحتمَل أن يكون نظرًا إلى الأزمنه الثَّلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتَّنقية للحال، والغسل للماضي، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وقال ابن تيمية لمَّا سأله تلميذه ابن القيِّم كيف تظهر الخطايا بذلك، ومَا فائدة التَّخصيص بذلك وقوله في لفظ آخر والماء البارد والحار أبلغ في الإنقاء؛ فقال الخطايا توجب في القلب نجاسة وحرارة وضعفًا، فترجي القلب وتضرم فيه باب الشَّهوة وتنجِّسه، فإنَّ الخطايا والذُّنوب

ج 1 ص 354

بمنزلة الحطب الَّذي يُوقِد النَّار، ولهذا كلَّما كثرت الخطايا؛ اشتدَّت نار القلب وضَعُفَ، والماء يغسل الخبث ويطفئ النَّار، فإن كان باردًا؛ أورث الجسم صلابة وقوَّة، فإن كان معه ثلج وبَرَد؛ كان أقوى في التَّبريد وصلابة الجسم وشدَّته كان أقوى في التَّبريد وصلابة الجسم وشدَّته، فكان أذهبَ لأثر الخطايا، انتهى.

فائدة إنَّما قدَّم الشَّافعيُّ الاستفتاح بـ (وجَّهتُ وجهي) لموافقة ألفاظ القرآن، وإلَّا فهذا الحديث أقوى منه، وأجاب ابن الجَوْزيِّ بأنَّه كان في أوَّل الأمر أو في النَّافلة، انتهى.

وفي «النَّسائيِّ» أنَّه كان إذا قام يُصَلِّي تطوُّعًا؛ قاله.

وفي «ابن حبَّان» إذا قام إلى المكتوبة؛ قاله.

خاتمة (يَسْكُتُ) من السُّكوت، وفي بعضها من الإفعال، فالهمزة للصَّيرورة.

الجَوْهريُّ يقال تكلَّم الرَّجل ثمَّ سكت بغير الألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلَّم؛ قلتُ أسكت.

(هُنَيَّةً) بتشديد التَّحتانيَّة بغير الهمز تصغير (هنة) أصلها هنوة، وهي كلمة كناية، ومعناها شيء، فلمَّا صُغِّرَت؛ قُلِبَتِ الواو ياء وأُدغمَت في الياء، ومن همز فقد أخطأ، ورواه بعضهم (هنيهة) بإبدال الياء الثَّانية هاء؛ أي يَسْكت شيئًا قليلًا بينهما.

قال الكرمانيُّ إن قلتَ السُّكوت مناف للقول، فكيف صحَّ أن يقال مَا تقول في سكوتك؛ قلتُ قال الخطَّابيُّ (إسكاته) وزنه (إفعاله) من السُّكوت، ومعناه سكوت يقتضي بعده كلامًا؛ أو قرأه مع قصر المدَّة فيه، وإنَّما أرادوا بهذا النَّوع من السُّكوت ترك رفع الصَّوت بالكلام، ألا تراه قال مَا يقول في إسكاتك.

(بَاعِدْ) أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة.

و (الخَطَايَا) إمَّا أن يرادَ بها اللَّاحقة؛ فمعناه إذا قُدِّر ذنب فبعِّد بيني وبينه، أو السَّابقة؛ فمعناه المحو والغُفْران.

إن قلتَ الغسل البالغ إنَّما يكون بالماء الجاري، فلم ذكر كذلك؛ قلتُ قال محي السُّنَّة معناه طهِّرني من الذُّنوب، وذكرهما مبالغة في التَّطهير؛ لأنَه يحتاج إليهما.

الخطَّابيُّ هذه أمثال، ولم يرد بهَا أعيان هذه المسمَّيات، وإنَّما أراد بها التَّوكيد في التَّطهير من الخطايا والمبالغة في مَحوها عنه.

و (الثَّلْجِ وَالبَرَدِ) ماءان لم تمسَّهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكأنَّ ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الذُّنوب.

[1] في الأصل (وجود منه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت