فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 2255

س- قد يتعجب بعضنا عندما يشاهد أفرادًا وأحزابًا وجماعات وحكومات يرتكبون أخطاء كبيرة وواضحة في عقائدهم، أو أعمالهم أو أقوالهم، أو سياساتهم، أو لا يهتدون إلى حلول لمشاكلهم، فيفشلون في حياتهم الزوجية أو الوظيفية أو السياسية. لأن الإنسان يتساءل هل من المعقول ألا يرى هؤلاء الحقائق والصواب والمنطق السليم؟ وأين ذهب المستشارون والأهل والأصدقاء والعقول الكثيرة؟ والجواب: نعم، إنهم لا يرون الحقائق الواضحة لأن الله سبحانه وتعالى أعمى بصائرهم فلم تعد ترى النور، وذلك بسبب معاصيهم قال تعالى: ?إن الله لا يهدي القوم الفاسقين? وقال تعالى: ?إن الله لا يهدي القوم الظالمين? فالمعاصي والنور العلمي الفكري شيئان متنافران، قال ابن القيم: (لما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية) . وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بان العلم نور

ونور الله لا يُهدى لعاصي

وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عندما سئل: من نسأل

بعدك؟ فقال: سل عبدالوهاب. قيل: إنه ليس له اتساع في العلم فقال أبو عبدالله: انه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق (1) . فالتقرب إلى الله بالطاعات، والابتعاد عن المعاصي من بديهيات النجاح في اكتساب العلم ومحاربة الجهل، وفي الختام فإنه من الضروري أن نقتنع كأفراد وكشعوب بأن العلم ثروة، وأنه ميراث الأنبياء وأنه أهم بكثير من المال، قالى تعالى: ?قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب? (9) (سورة الزمر) ، وقال ابن القيم رحمه الله: وفضل العلم على المال يُعلم من وجوه: أحدها أن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الملوك والأغنياء، والثاني أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله، والثالث أن المال تذهبه النفقات، والعلم يزكو على النفقة، والرابع أن صاحب المال إذا مات فارقه ماله، والعلم يدخل معه قبره، والخامس أن العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على العلم، والسادس أن المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن، والسابع أن العلم يحتاج إليه الملوك فمن دونهم، وصاحب المال إنما يحتاج إليه أهل العدم والفاقة، والثامن أن النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله وذلك من كمالها وشرفها والمال لا يزكيها ولا يكملها ولا يزيدها صفة كمال بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه، فحرصها على العلم عين كمالها، وحرصها على المال عين نقصها، التاسع أن المال يدعوها إلى الطغيان والفخر والخيلاء، والعلم يدعوها

إلى التواضع والقيام بالعبودية، فالمال يدعوها إلى صفات الملوك، والعلم يدعوها إلى صفات العبيد، والعاشر أن العلم جاذب موصل لها إلى سعادتها التي خلقت لها، والمال حاجب بينها وبينها، والحادي عشر أن غنى العلم أجلُّ من غنى المال فإن غنى المال بأمر خارجي عن حقيقة الإنسان لو ذهب

في ليلة أصبح فقيرًا، وغنى العلم لا يخشى عليه الفقر بل هو في زيادة أبدًا"."

ـــــــــــــــــــ

(1) ص 10 كتاب الورع - للإمام أحمد بن حنبل دراسة وتحقيق محمد السيد بسيوني زغلول.

الانحرافات الشعبية في النوايا والأعمال

الواقع هو كتاب كبير بحاجة إلى قراءة، وإذا شاهدنا واقعا كله خير وحب وتعاون وعدل وشوري واجتهاد... الخ فإن هذه الثمرات الحلوة هي لبذور طيبة في النفوس والعقول، فبالتأكيد أن هناك ضمائر حية وإخلاص وعلم، وإذا شاهدنا واقعا كله شر وظلم واختلاف وكسل وحسد وتفرق فإن هذه الثمرات المرة دليل على أن النفوس والعقول ممتلئة بالنفاق والكسل والجهل والأنانية والقسوة، وعندما نعطي هذه الأمثلة المتطرفة فإننا نهدف إلى تقريب الصورة في العلاقة بين ما في النفوس والعقول، وما في الواقع، لأن الواقع فيه خير وشر، وعدل وظلم.. فإذا زادت نسبة الظلم أو الشر في واقع ما، فلنتذكر فورًا الارتباط الكبير بين النفوس والواقع، ولنتيقن أن ما نشاهده في واقعنا هو ما نستحقه، ومن الخطأ أن نظن أن الواقع سيء بدرجة كبيرة في حين أننا جيدون بدرجة كبيرة، وأن سبب هذا الواقع هو أن حكومة أو اتجاها أو حزبا هم المسئولون وحدهم عما وصلنا إليه، فالواقع هو حصيلة ما في نفوس المجتمع جميعا فردًا فردًا من خير وشر وهؤلاء الأفراد يتجمعون في أسر وقبائل ومناطق وحكومات وأحزاب وجماعات وشركات وجامعات، وإذا كان إثبات وجود ضعف (انحراف) علمي شعبي عملية سهلة، فإن إثبات وجود انحرافات كبيرة في النوايا والأعمال عند الشعوب عملية سهلة أيضًا، هذا إذا كان الإسلام بعقائده وعباداته وأحكامه وأخلاقه هو المرجع والمقياس الذي نحتكم إليه، فمن السهل أن نعمل دراسات حول نسبة المصلين أو أعداد الممتنعين عن الزكاة أو المتعاملين بالربا، وغير ذلك وهذه قضايا أساسية ومعروفة في الدين، ومع هذا نجد انحرافات شعبية هائلة فيها، أي أن الالتزام بالمبادئ ضعيف، فأبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة، وبعض كبار العلماء كفروا تارك الصلاة، فهل أجبرت الحكومات الشعوب على ترك الصلاة، أو منع الزكاة، أو التعامل بالربا أم أنها أجبرتهم على الأهمال في العمل أو التبذير او الكسل أو النفاق أو الحسد أو التعصب العرقي؟! واغلب هذه الأمور هي أشياء

داخل نفوسنا لا تستيطع الحكومات فرضها أو تغييرها أو معرفة حقائقها، وإذا أردنا أن نعرف مزيدًا من الانحرافات الشعبية فلنسأل بعض المقاولين عن كفاءة العمال ولنسأل العمال عن جشع بعض المقاولين، ولنسأل المدارء عن الموظفين والعكس ولنسال الزوجات عن الأزواج والعكس ولنسأل المدرسين والطلبة والمحامين والفقراء والتجار والشرطة.... الخ وسنجد انحرافات كثيرة تثبت أن ما نشاهده في واقعنا السياسي أو الاجتماعي أو غيرهما من شر وخير هو في غالبيته ذو مصدر شعبي، وسندرك أن الفرق بيننا وبين إيجابيات الغرب ليس فقط بين حكوماتنا وحكوماتهم، بل هو أيضا بين موظفينا وموظفيهم، ومعلمينا ومعلميهم، واحزابنا وأحزابهم، وطلبتنا وطلبتهم وعمالنا وعمالهم الخ. ألم يقل الشيخ محمد عبده رحمه الله قبل قرن عندما زار أوربا:"وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين ووجدت هنا المسلمين ولم أجد الإسلام"وأحيانا تصل الانحرافات الشعبية في العقائد والأعمال والنوايا إلى حد إخراج أصحابها من الأسلام، فهناك حدود للانحرافات في الاسلام والانحرافات عموما هي الاستثناء لا القاعدة في حين أننا كثيرا ما نشاهد العكس. وعموما فلا يمكن أن نتغلب على ما نشاهده في واقعنا من فقر وحروب وتفرق وتخلف وظلم إلا إذا اقتنعنا بأن السبب الأول والرئيسي لكل هذا هو وجود انحرافات شعبية في العلم والعمل والاخلاص، وإليكم أمثلة واقعية تثبت أن الانحرافات التي نشاهدها في أغلبها ذات جذور شعبية:

1-قامت انقلابات عسكرية عديدة في الوطن العربي، وأغلبها فشل

في إصلاح الأوضاع، وأنتج أنظمة ظالمة ومستبدة، وعلى سبيل المثال

سيطرت على الجيش المصري خلال الفترة من 1962 إلى 1967 قيادات

شعبية مئة في المئة في شعارتها وفي أفرادها وفي أصولها، فطغت

وتفرعنت، ولم تهتم بواجباتها العسكرية، ولم تطبق شعار الرجل المناسب

في المكان المناسب، وخانت إسلامها، ومصالح مصر، ففتنة السلطة

والمال عندما لامست نفوسها، وسمحت لهذه النفوس أن تظهر ما بها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت