فهرس الكتاب
(19) جمال سلطان ، حوار في الديمقراطية ، البيان ، العدد (58) ، ص 35 ، جمادى الآخرة 1413هـ ، ديسمبر 1992م .
(20) محمد قطب ، مذاهب فكرية معاصرة ، ص 252 ، د ت ، د ط ، بيروت و القاهرة ، مطابع الشروق .
(21) المرجع السابق ، ص 252 253 .
(22) حسن الترابي ، مرجع سابق ، ص 9 .
بين حضارة عاد وحضارة الغرب
في دائرة الضوء
بين حضارة عاد وحضارة الغرب
إبراهيم بن محمد الحقيل
في أخبار من مضوا قبلنا عبرةٌ لمن يتذكر منا ، عبرةٌ تحثنا على سلوك طريق
الصالحين الناجين ، ومجانبة سبل المكذبين الهالكين .
لقد قص القرآن علينا أنباء أقوام كانوا قبلنا ، سكنوا الأرض وعمروها ،
وحرثوها وزرعوها ، كانوا أولي بأس وقوة وشدة ، فكذبوا المرسلين غرورًا بما
لديهم من قوة ، وما عندهم من علم ، فأخذهم الجبار أخذ عزيز مقتدر ، فأصبحوا
أثرًا بعد عين وعبرة للعالمين ، قال الله تعالى:[ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي
الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ ] ( غافر: 21-22 ) .
كان منهم عاد قوم هود عليه الصلاة والسلام سكنوا الأحقاف بين عمان
وحضرموت [1] ، زمنهم بعد نوح عليه الصلاة والسلام ؛ فهم أولُ أمة اضطلعت
بالحضارة والعمران بعد الطوفان [2] الذي أغرق المكذبين من قوم نوح عليه الصلاة
والسلام .
قوة عاد وبأسهم:
أنعم الله على عاد بكل مقومات القوة والعمران ، كما هو ظاهر في قول هود
لهم:[ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا
آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ] ( الأعراف: 69 ) ، والبسطة: الوفرة والسعة في أمر
من الأمور [3] ؛ فالله تعالى زادهم قوة في عقولهم وأجسادهم ، وسلمهم من الآفات
والعاهات . والعمرانُ في الأرض إنما يشيد بقوة أجساد البنائين ، والصناعات لا
تزدهر إلا بذلك ، وقد نُسبت الدروع والسيوف إلى قوم عاد فقيل: الدروعُ العاديّة ،
والسيوفُ العادية [4] ، وقوة عاد وجبروتهم مشهورة حتى إنهم لما جاءهم هود عليه
الصلاة والسلام بالنذارة استكبروا [ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ] ( فصلت: 15 ) ،
ووصفهم نبيهم بقوله: [ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ] ( الشعراء: 130 ) .
لقد بلغ من قوتهم وشدة بأسهم أنهم بنوا في طرق أسفارهم أعلامًا ومنارات
تدل على الطريق كيلا يضل السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي تمحو الآثار ،
واحتفروا وشيدوا مصانع للمياه تجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون
وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار ، وبنوا حصونًا وقصورًا على أشرافٍ
من الأرض [5] ، وفي شأن هذا العمران العظيم قال لهم نبيهم:[ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ] ( الشعراء: 128-131 ) .
إغراقهم بالنعم:
مع ما وصلوا إليه من حضارة وعمران وتقدم مادي بما أعطاهم الله من بسطة
في العقول والأجسام ؛ فإنه تعالى أفاض عليهم الخيرات ، وفتح لهم أبواب النعم ،
من وفرة المياه إلى خصوبة الأرض ، والبركة في الزرع وفي الحيوان وتكاثر
الذرية ؛ وبهذه النعم العظيمة ذكَّرهم هود عليه السلام فقال لهم:[ فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ]
( الشعراء: 131-134 ) ، وبيَّن لهم أنهم إن أطاعوه وأخلصوا عبادتهم لله تعالى
واستغفروه زادهم قوة وثراء ، ونعمة ورخاء . قال لهم:[ َيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ]
( هود: 52 ) .
تكذيبهم لهود عليه السلام:
إن عادًا غرتهم قوتُهم ، وبطروا نعمتهم ، فرانت على قلوبهم الغفلة ،
واستحكمت فيهم الشهوة ، فعميت أبصارهم عن رؤية الآيات ، وصُمَّت آذانهم عن
سماع المواعظ ، كما هي حال كثير ممن يوعظون فلا يستمعون ولا يتعظون ، بل
يستكبرون ويستهزئون ويجاهرون بعصيانهم ، ولا يخافون نقمة الله وعذابه ، ولذا
قالوا لهود عليه السلام:[ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوَاعِظِينَ * إِنْ
هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ] ( الشعراء: 136-138 ) . لقد بلغت
جرأتهم على الله تعالى مبلغًا شنيعًا حتى قالوا:[ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ] ( فصلت: 15 ) ، وكان
عذرهم في عدم استجابتهم للحق أقبح من ذنبهم ؛ إذ تذرعوا باقتفاء آثار السالفين
الضالين منهم ، وعدم الحيدة عن سبيلهم الذي اختطوه ، ودينهم الذي ارتضوه ولو
كان ضلالًا وشركًا[ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا
تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ] ( الأعراف: 70 ) ، واتهموا هودًا بالجنون كما هي
سيرة المكذبين مع أنبيائهم ، والمفسدين مع المصلحين ، رميهم بكل نقيصة وباطل
لصرف الناس عن الحق .
وزعمت عاد أن الجنون أصابه بسبب العزوف عن عبادة أصنامهم[ قَالُوا يَا
هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن
نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ] ( هود: 53-55 ) ، فما كان
عاقبة تكذيبهم إلا العذاب المهلك ؛ حيث نجى الله هودًا والمؤمنين معه واستأصل
المكذبين المعاندين[ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ] ( الأعراف: 72 ) .
النهاية الأليمة:
لقد كانت نهاية عاد أليمة ، وعاقبة كفرهم وخيمة ، جمع الله لهم فيها عذاب
القلب مع عذاب البدن ؛ فبينا هم ينتظرون الغيث بعد طول انقطاع وشدة ترقب ،
فما كادوا يفرحون بسحائبه وبوادره وبداياته حتى كان مطر عذاب وليس غيث
رحمة[ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا
اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ
مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ] ( الأحقاف: 24-25 ) . انتهت حضارتهم ،
وذهب عمرانهم ، وما أغنت عنهم قوتهم من عذاب الله شيئًا ، وحقت عليهم لعنة