فهرس الكتاب

الصفحة 2225 من 2255

وتكون النتيجة انتشار الاتجاه المادي وطغيانه وتفسخ المجتمع وانحلال قيمه، وظهور الأمراض الاجتماعية، وتضاؤل عناصر الخير، تصدع بنية المجتمع، فالترف يؤدي حتمًا إلى فساد المجتمع وهلاكه على المدى الطويل، ووجود الترف في مجتمع ما معناه سقوطه وتصدعه، وتوالي نزول المصائب والكوارث عليه حتى ينتهي وتندثر حضارته، قال الله تعالى:"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الآية 16 سورة الأحزاب] ، ومراجعة حركة التاريخ تؤكد حتمية هذا القانون، صحيح أن الظاهرة الاجتماعية تنمو خلال حركتها عبر التاريخ، وبالتالي فهي لا تتكرر ولكن ملاحظة تطور المجتمعات الإنسانية ورصد حركتها واستخلاص قوانين تلك الحركة من إيقاعها المطرد، يمكن من الاستعانة بهذه القوانين في تحديد المستقبل، فالتاريخ ممارسة بشرية متراكمة يصلح محكًا لاختبار مناهج المعرفة والنظريات، ولقد سقطت إمبراطوريات وممالك ودول بسبب طغيان الاتجاه المادي بعدما تفشت فيها الأمراض الاجتماعية والجريمة والظلم والفساد من نحو الكذب والحسد والرشوة والمحسوبية والغش والسرقة والفجور، فيلحق بذلك أفدح الأضرار بالإنسان كفرد والمجتمع والدولة أيضا، لأن الدولة في نهاية المطاف ليست إلا مجموعة من الأفراد وما صح للفرد صح للمجتمع الذي يتكون منه، أو الدولة التي تستند إليه، وتفشي هذه الأمراض بين الأفراد ينعكس سلبًا على أداء الدولة وتوجهاتها، وقد رأينا كيف انهارت دول وحضارات قديمة بسبب الترف، فإذا أضفنا إلى ذلك أمراض الترف البدنية كأمراض الجهاز الهضمي، والبدانة وتصلب الشرايين وغيرها أمكننا أن نعلم مدى خطورة الترف على الفرد والمجتمع على السواء.

ثمة حاجة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهو طبيعة حاجات المترفين، ولقد سبق وأن ذكرنا أنها حاجات تطلعية كمالية لا حدود لها، وكلما أشبع المترفون طائفة من دوافعهم وميولهم وحاجاتهم تولدت لديهم حاجات ودوافع أخرى؛ لأن الانغماس في المادية يرتب بالضرورة إنسانًا استهلاكيًا يسعى دائمًا نحو إيجاد حاجات ودوافع وميول ليتسنى له إشباعها وإرضاؤها بكل الوسائل المتاحة، فإنه قد تأتي على الإنسان أوقات لا يتمكن معها من إشباع هذه الحاجات والدوافع بسبب مرض أو هرم، وقد يأتي على هذا الإنسان وقت لا يجد فيه حاجات ودوافع جديدة، فتتكرر حاجاته وتتكرر وسائل الإشباع فيشعر بالسأم والضجر، ويقدم على الانتحار.

والمؤشرات الإحصائية تشير إلى الارتفاع المطرد في نسبة الانتحار في دول الغرب الغنية، ومثل هذه الظاهرة لا توجد في المجتمع الإسلامي، إن الإنسان المسلم يعلم أن رحلته في الدنيا عبثًا وهو يتوخى من خلالها الفوز برضا الله وأن وسيلته إلى ذلك عمله، لذلك فإنه يعمل ويجاهد ليحقق هذه الغاية وهو راضٍ وسعيد، وهو يعلم كذلك أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، فحياة المسلم في رحلته من المهد إلى اللحد هي لله، وهي محكومة ومنضبطة بمنهج الإسلام وأخيرًا فإن سوء توزيع الثروات في العالم اليوم قد أدى إلى اتساع الفجوة والهوة بين الفقراء والأغنياء، حيث شن الأغنياء الأقوياء الحروب ضد الفقراء والمستضعفين ليزداد المترفون ترفًا، في الوقت الذي انتشرت فيه أمراض الجوع وفقر الدم ونقص البروتينات والفيتامينات وأمراض التلوث البيئي بين فقراء العالم، ولقد أشارت إحصائيات موثقة أن الطعام القابل للأكل الذي يستهلكه سكان مدينة دبي وحدها يكفي لإطعام الصوماليين الذين يموتون جوعًا، فإلى الله المشتكى وهو المستعان.

ولقد أصدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية تقريرًا خطيرًا في عام 2000م أوضح فيه بلغة الأرقام كيف اتسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء بصورة هائلة وخطيرة وبشكل لا يبشر بالخير إزاء المستقبل بالنسبة للدول الفقيرة، ويضيف التقرير:"إن الفارق في الدخل بين الـ5% الأكثر ثراء من سكان العالم والـ5% الأشد فقرًا ارتفع إلى نسبة 74 إلى واحد في عام 1960م كما انخفضت نسبة دخل الفرد في أكثر من 80% دولة في العالم عما كانت عليه قبل عشر سنوات"للتفصيل يرجى مراجعة تقرير الأمم المتحدة، برنامج التنمية البشرية، الصادر في شهر يناير عام 1999م.

وربما دفع هذا التقرير البعض إلى الشعور باليأس والإحباط والإحساس بالشفقة لمصير الدول الضعيفة ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ابن نبي .. والمُركِّب الحضاري

عبد الباقي صلاي

إن من ولد بالجزائر سنة 1905 يكون قد أتى في مدة يتصل فيها وعيه بالماضي الممثل في أواخر شهوده، وبالمستقبل في أوائل صائغيه... هذا كلام مالك ابن نبي عن مولده الذي يراه وسطا بين ماض انقضى وانطفأ وهجه.. وهو الماضي الذهبي للأمة الإسلامية عندما كان المسلمون هم السادة لا المسودين.. والقادة لا المقودين.. وبين مستقبل باكورة صياغته لم تتم، و لم تظهر ملامح تجليته على المسرح العالمي بعد، ولهذا حرص مالك ابن نبي على طول حياته العلمية و الفكرية أن يوصل الماضي المشرق للحضارة الإسلامية بجميع تفرعاتها العطائية في مضمار الإحياء الحضاري لكل ما ينفع الإنسانية.

وهذا بالمستقبل الذي يجب أن يبنى بنفس الميكانزمات التي كانت ماضيا؛لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أوله، فجاءت مساهماته الفكرية في الربط القوي بين ماض عزيز ومستقبل مفتوح على الشرود والحيرة بالاعتماد على صياغة رياضية مركبة من ثلاثة عناصر: الإنسان، التراب، الوقت.. وهذه العناصر لا يمكن لها أن تؤدي مفعولها القوي لو بقيت على شتاتها دونما تآلف وتكاثف.

ويرى مالك ابن نبي أن التآلف لا يكفي إذا لم يأت عامل خارجي آخر يمارس دور المركب لهذه العناصر من أجل بلوغ الغاية المرجو ة.. هذا العامل الخارجي هو في حقيقة الأمر لازم.. ويعزوه مالك ابن نبي إلى عنصر العقيدة الدينية. والتأكيد على عنصر الدين في تمتين التآلف بين العناصر الثلاثة: الإنسان، التراب، الوقت من أجل بناء الحضارة - الشق المادي من الثقافة- أو ذلك الهدف المنشود آنف الذكر. وبغير الدين والعقيدة الدينية فإن تلاقي هذه العناصر الثلاثة لا جدوى منه وستظل على الحالة الذر ذرية التشتتية.. أو هو مجرد لا شيء..

ويوضح في نفس السياق مالك ابن نبي فيقول:"إننا لكي نتوصل إلى التركيب الضروري حلا للمشكلة الإسلامية، أعني مزج الإنسان، والتراب، والوقت، يجب أن يتوافر لدينا مؤثر الدين الذي يغير النفس الإسلامية... (... ) .. والدين وحده هو الذي يمنح الإنسان هذه القوة، فقد أمد بها أولئك الحفاة العراة من بدو الصحراء الذين اتبعوا هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -. وبهذه القوة وحدها يشعر المسلم - على الرغم من فاقته وعريه الآن - بثروته الخالدة التي لا يدري من أمر استخدامها شيئا". وعلى قدرة مركب الدين الذي يسميه مالك ابن نبي بالمُركِّب الحضاري..."catalyseu صلى الله عليه وسلم civilisationnel على التدخل في توصيل وتجميع وتركيب العناصر الثلاثة وجعلها تعمل ضمن النسق الطبيعي للسيرورة الحضارية.."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت