بِاللَّهِ) (آل عمران،110) ، وقد وضح القرآن الكريم أيضًا أن لعن بني اسرائيل جاء لأنهم قصّروا في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة،78-79) ، وقد اعتبر الفقه الإسلامي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد من المسلمين فإن ذلك يكون سببًا في إثم الجميع، وقد حذّر الإسلام من نزول العذاب وإصابته الجميع إذا لم يقم المسلمون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم" (رواه أحمد) . وقال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال،25) ، وقد وضّح رسول الله في أحد أحاديثه أنه لابد للمسلم من أن يرتقي سلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أقل درجاته وهي الإنكار القلبي للمنكر؛ لأن ذلك أضعف الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم وأحمد) . وفي رواية أخرى:"وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل".
وقد تعثرت الميزة الأولى في حضارتنا وهي دمج الأعراق والأجناس والشعوب في العصور الأولى عندما لجأ الأمويون إلى سياسة التفرقة على أساس قبلي؛ إذ كانوا يقدمون القيسية مرة، واليمانية مرة أخرى، مما أدى إلى بروز الشعوبية التي تخفض من شأن العرب، ثم زالت تلك الظاهرة بمجيء العباسيين، وأخذت الأجناس الأخرى غير العربية دورًا كبيرًا، وكان العرق الفارسي هو الأول في الحظوة؛ إذ اعتمد العباسيون على تجنيد الفرس في إزالة الدولة الأموية، ثم انفتح الباب لبقية الأعراق، فبرز الأتراك، ثم تبعهم البويهيون والسلاجقة والزنكيون والأكراد...الخ، وبلغ التمازج بين الأعراق والأجناس والشعوب ذروته في الفترة المملوكية؛ إذ تسلّمت فيها أكثر من عشرين جنسية المناصب الأولى في الدولة، ثم انتقل منصب الإمامة الكبرى وهي الخلافة إلى العرق التركي والتي بقيت فيهم أربعمائة عام من 1516م إلى 1924م.
وبالنسبة للميزتين الأخيرتين في حضارتنا وهما سعة الإعمار وخُلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أضعفهما انتشار التصوف ورسوخه في المجتمع الإسلامي، فقد دعا التصوف إلى إهمال الدنيا، وتعذيب الجسد، وقتل الشهوات، والانصراف عن المجتمع ومساوئه، والتوجه إلى الخلاص الفردي من خلال مقولة"دع الخلق للخالق"، وكلها مقولات تتعارض مع الحقائق والمبادئ التي نادى بها الإسلام، مما أدّى إلى تقليص حجم البناء الحضاري في المجتمع الإسلامي، وإلى ضعف فاعليّة تصحيح الانحرافات، وإلى فرز أمراض أخرى أبرزها الخطأ في فهم القضاء والقدر والتوكل وحلول التواكل والكسل محلهما، ولكن التصوف انحسر تأثيره في القرن الماضي بسبب العلماء المجدّدين الذين بيّنوا مخالفته لحقائق الدين الإسلامي من جهة، وبسب الاحتكاك بالحضارة الغربية التي تقوم على مبادئ مناقضة للتصوف من جهة ثانية.
الدولة في الإسلام بين التبعيّة واستقلال التصوّر
د. عبدالله الصبيح 29/4/1427
تتميز التصورات الكلية في الإسلام بكمالها وشمولها واستغنائها عن سواها من النظم الأخرى. ومن ذلك النظام السياسي الذي تشترط فيه الشريعة الإسلامية أن يقوم على أسس محددة، ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) . [الحج:41] . ومنها قوله تعالى واصفا للمؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: من الآية38] . وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) . [النساء: من الآية58] .
وخلط أي نظام في الإسلام مع نظام آخر من غيره هو إخراج له عن حقيقته الإسلامية، أما تطوير التفاصيل والصيغ العملية مع المحافظة على روح النظام ومقاصده فلا شيء فيه، بل هو مما تركته الشريعة للناس ليجتهدوا فيه حسب معطيات عصرهم، فهو من مواطن الاجتهاد التي يُحمد لهم أن يجتهدوا فيها ويُغفر لهم ما أخطؤوا فيه.
والمفاهيم سواء في الإسلام أو في غيره من الأديان والحضارات إنما ترجع إلى إطار معرفي أو (pa صلى الله عليه وسلم adigm) في الدين الذي تنتمي إليه، والتلفيق بين المفاهيم المأخوذة من أطر معرفية مختلفة ومتناقضة ينتج عنه لبس في المفهوم الملفق وجور على الإطار المعرفي نفسه.
مثلًا الدولة في الحضارة الغربية يمكن أن تُوصف بأنها مدنية (civil state) أو دينية (theoc صلى الله عليه وسلم atic state) ، وهذا الوصف له أصوله الفلسفية، وله خلفيته التاريخية الخاصة بالحضارة التي نشأت فيها المصطلحات. الدولة المدنية في التصور الغربي هي نقيض الدولة الدينية، وكلاهما يعكسان إشكالية كان يعيشها المجتمع الغربي في فترة مضت، ولاعلاقة للمفهومين بالنظام السياسي في الإسلام البتة. الدولة الدينية في الحضارة الغربية تعني تحديدًا سلطة الكنيسة، وأن الحاكم إنما يعبر عن إرادة الله -عزوجل- ولا يحق لأحد مراجعته، وعلى الشعب التسليم بما يصدر عنه من قرارات، وهي بهذا تستبعد سلطة الشعب في محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه. والدولة المدنية نقيض ذلك تمامًا فهي تؤكد سلطة الشعب أو سلطة الإنسان، وترفض أي سلطة خارج ذلك بما في ذلك سلطة الدين أو الكنيسة.
ووصف الدولة في الإسلام بأنها دولة مدنية أو دينية (ثيوقراطية) هو في الحقيقة وصف لها بغير ماهي به. إنها مع وجود مرجعيتها الدينية توجب على الشعب محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه، وتعد ذلك من النصيحة الواجبة على المسلم لحاكمه. والمرجعية الدينية في الدولة الإسلامية نختلف عن المرجعية الدينية في المفهوم الغربي. المرجعية الدينية في الدولة الإسلامية تعني مرجعية القرآن والسنة، وهما ميسران لكل أحد، وبهذا يحق لكل فرد أن يراجع المفتي أو يراجع الحاكم، ويطالبه بمستنده الشرعي ويراجعه فيه، وهي بهذا مرجعية موضوعية (objective) ميسرة لكل أحد. وهذا يختلف عن مفهوم المرجعية الدينية في الحكومة الدينية في الحضارة الغربية؛ ذلك أنها قائمة على الإلهام (inspi صلى الله عليه وسلم ation) ومايقذفه الله في قلب البابا أو الحاكم، فهي مرجعية شخصية (subjective) ترتبط بشخص الحاكم. وهذا النوع من المعرفة يُعدّ في الإسلام هرطقة وضلالًا، ولايمكن أن يكون معرفة دينية منسوبة لله عزوجل.
ومن يصف الدولة في الإسلام بأنها دولة دينية مشبّهًا لها بالدولة الدينية التي نشأت في أوروبا يقع في الحقيقة في خطأ عظيم، فهو مع افتراض حسن نيته يسيء إلى مفهوم الدولة في الإسلام بعرضه على غير حقيقته وتلبيسه بسواه.