على أن فقه الواقع في العمل الدعوي المعاصر ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود منه هو: الفعل والإنجاز في الواقع وفقًا للقاعدة المقاصدية الشرعية التي عبّر عنها الإمام الشاطبي في كتابه «الموافقات» بقوله: «كل علم لا ينبني عليه عمل فهو باطل شرعًا» .
إذا كان الأمر كذلك؛ فإن فقه الواقع في مجال الدعوة إلى الله يجب أن يكون مدخلًا نحو إنجاز فعلٍ دعويٍّ راشدٍ متنوعٍ وكافٍ لرفع الدعوة والدعاة إلى مستوى الخيرية والإمامة في كل مجال. على أن مستوى الفعل والإنجاز الدعوي في الواقع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى الفقه الذي يرتبط بدوره بمستوى الفهم، اتساعًا وضيقًا، دقة وضعفًا، وضوحًا وغموضًا.
3 ـ قاعدة اعتبار «التجربة التاريخية» ، و «السياق التاريخي» مدخلًا أساسيًا لفقه الواقع، والوقوف على عناصر التأثير فيه (أهمية الوعي التاريخي) :
يتميز الواقع بحيثياته وأحداثه وظواهره بأنه ليس وليد لحظته التاريخية الآنية، وإنما هو عبارة عن: تراكم تاريخي ممتد ومستمر للوقائع والأحداث، خلال فترة زمنية تمتد بين الماضي والحاضر؛ ولذلك فإن فهم حقيقة الواقع، والوقوف على بنياته من الوقائع والأحداث بشكل علمي صحيح يستلزم الرجوع إلى الماضي للبحث في امتدادات الواقع فيه، ودراسة نشأة الوقائع وتطورها، والعوامل الكامنة وراءها. ومعنى ذلك أنه لا بد لفهم واقع مجتمع مّا من استحضار «تجربته التاريخية» في الزمان والمكان، ولا بد لفهم حدث أو ظاهرة ما من الوقوف على «السياق التاريخي» لذلك الحدث، أو لتلك الظاهرة. وبكلمة: إن الدعاة إلى الله، وأنصار المشروع الإسلامي في كل مجال مطالبون ـ اليوم وأكثر من أي وقت مضى ـ بتحصيل قدر من «الوعي التاريخي» يُمَكِّنُهم من فقه صحيح للواقع، وإنجاز راشد فيه.
-المصادر والمراجع:
-القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
-الحديث النبوي الشريف.
-إعلام الموقعين، ابن القيم.
-في فقه التدين فهمًا وتنزيلًا، الدكتور عبد المجيد النجار.
-فقه واقع الأمة: دراسة في المفهوم والشروط والعوائق، الدكتور الشاهد البوشيخي.
-الموافقات في أصول الشريعة، الإمام الشاطبي.
-تفسير المنار، الشيخ محمد رشيد رضا.
-المفردات، الراغب الأصفهاني.
-لسان العرب، ابن منظور.
-التعريفات،الجرجاني.
-مقاييس اللغة، ابن فارس.
-سلسلة أين الخلل؟ مجلة الأمة القطرية.
في الخصوصية الحضارية للمصطلحات
مصطلحات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والجمال الاجتماعي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي
يقول أحد الباحثين في معرض بيانه للخصوصية الحضارية للمصطلحات: «إذا نظرنا إلى أي مصطلح من المصطلحات باعتباره (وعاء) يوضع فيه (مضمون) من المضامين وباعتباره (أداة) تحمل (رسالة) المعنى؛ فسنجد صلاح وصلاحية الكثير من المصطلحات لأداء دور (الأوعية) و (الأدوات) على امتداد الحضارات المختلفة» .
أما إذا نظرنا إلى المصطلحات من زاوية (المضامين) التي توضع في أوعيتها، ومن حيث الرسائل الفكرية التي حملتها (الأدوات: المصطلحات) ـ فسنكون بحاجة ماسة وشديدة إلى ضبط عبارة: (لا مُشاحَّة في الاصطلاح) ؛ لأننا سوف نجد أنفسنا أمام (أوعية) عامة وأدوات مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكرية، وفي الوقت ذاته أمام (مضامين) خاصة ورسائل متميزة، تختلف فيها وتتميز بها هذه الأوعية العامة والأدوات المشتركة لدى أهل كل حضارة من الحضارات المتميزة (1) .
لذا تنبع أهمية المصطلحات عمومًا من كونها الوعاءَ الذي تطرح من خلاله الأفكار؛ فإذا ما اضطرب ضبط هذا الوعاء أو اختلّت دلالاته التعبيرية أو تميّعت معطياته اختلّ البناء الفكري ذاته واهتزّت قيمه في الأذهان، أو خفيت حقائقه. فضبط الاصطلاحات والمفاهيم ليس من قِبَل الإجراء الشكلي أو التناول المصطنع؛ بقدر ما هو عملية تمسّ صلب المضمون، وتتعدى أبعادها إلى نتائج منهجية وفكرية خطيرة، مما يحدو بنا للبحث عن علمَي (اجتماع المعاني) و (التطور الدلالي للمصطلحات) .
والمتأمل في تراثنا الفكري يلاحظ فعلًا مدى أهمية ضبط الكلمات والألفاظ، لا سيما ما ارتبط منها بموقف فكري أو حركي محدد، لدرجة الحرص التام على إلزام المسلمين بمصطلحات وألفاظ بعينها، والنهي عن الحيدة عنها أو تسميتها بغير مسمياتها، حتى ولو كان التقارب بين اللفظين شديدًا {لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا...} [البقرة: 104] .
وتَمورُ وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة ـ الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي ـ بالعديد من المفاهيم والمصطلحات التي تُشَكِّل في ذاتها الوحدات الأساسية لما يطرح من حلول للمشكلات الاجتماعية لمختلف بلدان العالم، ولا يمكن فهم تلك الحلول المطروحة إلا عبر فهم تلك المفاهيم والمصطلحات، وتحديدها تحديدًا إجرائيًا دقيقًا، حتى يمكن تشغيلها والاستفادة منها، وإذا كانت تلك المشكلة ـ مشكلة (تحديد المفاهيم) ـ هي المشكلة الأولى، فإن المشكلة الثانية تنشأ عندما يتم نقل هذه المفاهيم من مجتمع إلى آخر، يختلفان ثقافة ولغة ونمط حياة ومستوى حضارة؛ ذلك أن إعادة استنبات المفاهيم في بيئة حضارية مغايرة لا تؤتي الثمار نفسها التي آتتها في بيئتها الأولى، وهو ما أطلق عليه المفكر الإيراني الشهير (علي شريعتي) (1) (جغرافيا الكلام) أي أن كلامًا معينًا قد يكون صحيحًا في بيئة ما، فإذا تم نقله إلى بيئة أخرى لم يكن بدرجة الصحة التي كان عليها في بيئته الأولى.
المشكلة الثالثة: تنبع عندما يتم البدء من كون تلك المفاهيم القادمة من (بيئتها الأولى) معيارًا قياسيًا (Standa صلى الله عليه وسلم d) ، تفهم به الظواهر الاجتماعية في البيئة الثانية بل وتفسر، وأكثر من ذلك يُحَكم به على كل شيء، أي تصير تلك المنقولة أو العابرة للحضارات مفاهيم عالمية، تُرَدُّ إليها الأمور، ويصبح المتخلف هو المختلف مع تلك المفاهيم، والمتقدم هو المتوافق معها، وبذلك تصير البيئة الثانية ليست هي، وإنما نسخة مقلّدة، أو تحاول أن تقلّد البيئة الأولى، ويكون الحكم على نجاحها أو إخفاقها بدرجة قربها من النموذج الأول.
المشكلة الرابعة: هي أنه في أثناء تلك العملية من جلب المفاهيم استيرادًا أو نقلًا، واعتبارها حكمًا ومعيارًا تنشأ مشكلة أهم من ذلك كله، وهي انزواء المفاهيم الأصيلة للبيئة الثانية، وبقدر ما تتم عملية الإحلال والتبديل هذه يتم تجاهل مفاهيم البيئة الثانية ذاتها وتجاوزها.