فهرس الكتاب

الصفحة 1737 من 2255

وعندما سئل تشوسكي هل تلك النظرة الدونيّة من قبل اليهود جزء من تعاليم اليهوديّة الأصليّة أم جزء من الثقافة اليهوديّة الشائعة؟ .فقال:

إنها في الحلقة Halakah ( التعاليم الحاخامية ) ... هناك الكثير من هذا، لقد كانوا أقلية مضطهدة ، ولكنهم كانوا عنصريين في نفس الوقت ، فهم يصبحون عنصريين عندما يصبحون أغلبية غير مضطهدة (12) .

ومما يبرز أهمية إظهار التعاليم والتشريعات العنصريّة اليهوديّة هو تشدّق كثير من الساسة والإعلاميين والمثقفين الأمريكان بأن حضارتنا هي"حضارة يهودية ـ نصرانية" (Judo-Ch صلى الله عليه وسلم istian) فإن كانت الحضارة الغربية حسب ما يقولون، فإنها بلاشك هجين غير متناسق من حضارتين (إن صحّ التعبير) متناقضتين في ركائزها العقديّة والأخلاقيّة، وإن جمعتهما أساطير ونبوؤات توراتيّة تفوح منها رائحة العنصريّة والاحتقار للأمم الأخرى، و بدأت طوائف نصرانيّة متطرفة أكثر من أي وقت مضى تربط مستقبلها السياسي وهيمنتها على العالم بإسرائيل وأساطيرها؛ إذ أدخل اليهود كجزء أساسي في منظومتها للهيمنة العولمية. ومن أولئك من يسمون"بالنصارى الصهاينة أو اليمينيين الجدد". وهم من يحكم أمريكا في الوقت الحاضر، لقد استطاعوا السيطرة على حزب الجمهوريين في الولايات المتحدة لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن، ولهم امتداد يتزايد في مناطق أخرى من العالم وخاصة أوروبا.

* أ ستاذ مشارك جامعة الملك خالد - أبها

1-أحد الحواريين عند النصارى .

4-عالمية الإسلام ص 13 ترجمة الحاشية رقم

أدواء التغريب

د.سلمان بن فهد العوةد 19/3/1428

ليس ثمة خلاف في أن العالم اليوم يعيش تقدمًا حضاريًا يتعلق بالتقنية والعلوم الطبيعية والإنسانية، وذلك مطلب ملح لكل الشعوب، فيما يمكن تصنيفه بالجوانب العلمية والمعرفية والتطبيقية، وهذه الأشياء حق للإنسانية جمعاء، وعملٌ للبشرية كلها، يشترك الناس في صناعته والاستفادة منه، وإن كانت مصادرها غربية، وأصحاب الإبداع فيها هم الغربيون.

هذا شيء ينبغي تأكيده، ونحن نتحدث عن التغريب حتى لا يَهِم القارئ فيظن أن نقل الإبداع الحضاري الغربي أو الاستفادة منه عمل تغريبي، بل هو عمل إبداعي إنساني لتحقيق النمو الحضاري، ولمحاولة الوصول إلى مستوى التحدي والقوة الذاتية ولو بعد حين.

إن"التغريب"هو نقل القيم الدينية والاجتماعية الخاصة، المتعلقة بالهوية واستنساخها بخيرها وشرها؛ لبذرها في الأرض العربية والإسلامية، وإن كان في ذلك مخالفة للثقافة الإسلامية والثوابت، والخصوصية الاجتماعية والهوية الذاتية، هذا بوضوح شديد هو:"التغريب"بنقل القيم الذاتية الغربية إلى المنطقة الإسلامية والعربية، حتى ولو خالفت النص، والحس والناس أجمعين.

إن"التغريب"ليس عملًا جغرافيًا يتعلق بمنطقة"الشرق أو الغرب"، بل هو نقل نموذج ثقافي أجنبي، واستنباته في بيئات مختلفة عنه في الثقافة والقيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وإن كانت تلك البيئات المختلفة تعيش مشاكل، مختلفة وقضايا مختلفة، وقيمًا مختلفة فهي أشبه بالعملية القسرية بتحويل قيم إلى قيم أخرى، وثقافة إلى ثقافة أخرى، وهوية وخصوصية إلى هوية وخصوصية أخرى، ضاربًا بالتاريخ والدين عرض الأرض!

فالتغريب عملٌ مغاير لفكرة الحوار أو الاستفادة، والعالم اليوم كله يعيش في أرض واحدة، وكل الشعوب تكون في موقع التأثر والتأثير، وذلك شيء طبيعي، بل هذه سنة الشريعة ذاتها، يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات:13] ، فلم يقل لتعاركوا وتتحاربوا أو يكره بعضكم بعضًا، بل قال: لتعارفوا،فهذا التعارف هو الاتفاق على القضايا المشتركة، والتعاون وتبادل الخبرات والاستفادة من الآخر، ويقول الله:"وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [المائدة:2] ، والبر معنى واسع يدخل فيه التعاون مع غير المسلمين، يقول الله:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:8] .

فذكر البر مع غير المسلمين، وفي علاقة الغرب بالعالم العربي والإسلامي ( الشرق ) التباس قديم وشديد تشعلها المناسبات، وتهرب بها الأيام إلى حيث يعلم الله، ويغيب عن بال الجميع قيم"التعارف"و"التعاون"التي ذكرها الله في كتابه بإشاعات غربية مغرضة تتحدث عن الصدام والصراع، وانطباعات عربية وإسلامية تتحدث عن الآخر على أنه شر محض، وفئة عربية وإسلامية أخرى منذ أكثر من قرن تبعدنا عن القيم الحضارية الحقيقية بخلق قيم الغرب بالإكراه في المنطقة الإسلامية؛ ليكون المثقفون المستغربون حربًا على الأمة، وتصبح النخبة المستغربة ضد الأمة المسلمة، وأقولها بكل جلاء: إن أي مشروع نهضوي أو تقدمي لا يعترف بقيم الإسلام ولا عقيدته، ولا يؤمن بدورها في المنطقة العربية والإسلامية فهو عمل محكوم عليه سلفًا بالفشل، ومشروع لا محالة مجهض؛ لأن الجسد الإسلامي لا يقبل جسمًا غريبًا عنه، والغرب اليوم يعيش نضوجه الثقافي والمعرفي، وصل لهذا المستوى التقني والحضاري عبر نقل الخبرات من الشعوب المختلفة وعبر اعتراف بتاريخه وثقافته الخاصة وقيمه هو، وذلك شيء يعزب عن بعض النخب التي تقرأ تاريخ التطور الغربي.

إن بعض النخب في العالم العربي والإسلامي في العقود الماضية التي تؤمن بالعلمانية الغربية، والمشروع التغريبي لم تستطع أن تتواكب مع الجمهور أو تتعايش مع الناس؛ لأن الجمهور المسلم يؤمن بقيم الإسلام، وترتفع عاطفته الدينية كلما أحسّ بالتحدي أو الخوف على ذاته، ولا يمكن أن يقبل شيئًا لا يتفق مع تعاليم دينه، وقيمه، وخصوصيته.

إن روح ( الانبهار ) بالغرب لا تفتح إلا الوجه الإيجابي فيه، وتجعله كله خيرًا محضًا يجب نقله للبيئات الأخرى، وتعميمه على كل شعوب العالم، وكان لهذه الروح والنفسية المستكينة نتاجًا فكريًا هو رافد التغريب، ودافعه إلى ترويج أفكاره، والدعوة إلى التشبه الكلي بالإنسان الغربي في كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت