فهرس الكتاب

الصفحة 1563 من 2255

والغرب لم يكن وفيا مع قيمه، ولم تكن الشعوب حرة في تقرير مصيرها، وكان أول كلمة تفوه بها (بوش) والإدارة الأمريكية بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر هي:"من لم يكن معنا فهو ضدنا"وكان على جميع دول الدنيا وشعوبها أن تحدد مصيرها وفقا لتعليمات سيد البيت الأبيض، وفي هذا مصادرة للإرادة وتعد على حرية الاختيار. والاعتداء كان على الولايات المتحدة الأمريكية فقط ، وبرره من اتهم به أنه بسبب سياستها الظالمة وتحدث الكتاب والمفكرون والمحللون السياسيون وقالوا إن السبب سياسة الولايات المتحدة الأمريكية مزدوجة المعايير، يقول (كليمنت ليبوفيتر) في مقال عنوانه:"لماذا هاجموا أمريكا": لا ندري من الذي قام بالهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م ، لا ندري. ولكننا نعرف أن كون الولايات المتحدة هي الهدف ليس بالمفاجأة ! فلا توجد دولة في العالم يضمر لها الآخرون الكراهية والحقد كالولايات المتحدة!!

وإنني أعلن وقوفي ضد أعمال الإرهاب ، ولكنني لا أستطيع دائما شجب من يقومون بها"لماذا العالم أجمع يضمر لأمريكا الكراهية؟! إنه بسبب ازدواجية المعايير والفشل في التبني الصادق لشعارات الحضارة الغربية المرفوعة. لم تكن الكراهية من المسلمين وحدهم، وقد سرد (كليمنت) في مقاله جرائم أمريكا وتعديها على الشعوب مسلمة وغير مسلمة، ومع ذلك فأمريكا تريدنا أن نقتنع أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر هي اعتداء على الإنسانية وعلى الحضارة."

وكما صرح (بوش) بأن على الدول أن تحدد موقفها مع أمريكا أو ضدها، بدأت أجهزة الإعلام والحكومة الأمريكية بالحديث عن عقيدة أكثر من مليار من سكان كوكب الأرض ، طالبة من ذلك المليار أن يعيد صياغة عقيدته بما يتفق مع الإرادة الأمريكية كي يتحقق للشعب الأمريكي الأمن والطمأنينة على الأرض. وتبعا لذلك لم تحترم أمريكا ممثلة الحضارة الغربية إرادة الشعب الباكستاني في اختيار التعليم الذي يرضاه ، ومن ثم كان الضغط على (مشرف) ليقلص ويلغي التعليم الديني في باكستان وتبلغ الدارس الدينية في باكستان أكثر من ثلاثمائة مدرسة. وكان الضغط والتوجيه على اليمن من قبل السفارة الأمريكية من أجل منع خطباء اليمن لئلا يعبروا عن مشاعرهم عن الحدث ولا ينتقدوا السياسة الأمريكية التي ينتقدها الأمريكي في أمريكا نفسها!!

وكان الهجوم العاصف على مناهج التعليم في السعودية من أجل تعديلها بما يتناسب مع مصالح أمريكا. حقا إنه اعتداء على إرادة الأمم الأخرى وامتهان لحقوقها! وهذا جميعه يتنافى مع مواثيق هيئة الأمم المتحدة التي تنص على احترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها وحريتها في الانتماء إلى ثقافتها وقيمها والتعبير عنها.

أما في الحرب فلم تفرق أمريكا بين المدني وغيره فضربت المدن بطائرات أل (بي 52) ودمرت المساجد والأسواق والمستشفيات ودور العجزة، بل قتلت الأسرى الذين تنص معاهدة (جنيف) على عدم قتلهم. ولما طالبت بعض المنظمات الدولية بالتحقيق في مقتل الأسرى في قلعة (جانجي) رد عليهم وزير الدفاع الأمريكي بكبر وصلف قائلا: إنني أستغرب لماذا يطالبون بذلك؟! وذهبت قيم الحضارة الغربية التي تشدق بها الغرب عقودا من الزمن أدراج الرياح !!

يقول (روبرت فيسك) :"وعلى مدى الخمسين عاما الماضية جلسنا على عرشنا الأخلاقي نلقي محاضرات على الصينيين والسوفيات والعرب والإفريقيين حول حقوق الإنسان كما أصدرنا أحكامنا بخصوص الجرائم التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان .. ولكن فجأة، بعد الحادي عشر من سبتمبر ، أصبحنا مجانين .. فقصفنا القرى الأفغانية وحولناها وسكانها إلى هباء منثور.. فنحن أسياد حقوق الإنسان والليبراليون والعظماء والأخيار الذين يستطيعون أن يلقوا مواعظ للجماهير الفقيرة والمعدمة، ولكن عندما يتعرض شعبنا إلى القتل وعندما تتعرض مبانينا للتدمير نقوم بتمزيق كل تشريع مكتوب ومتفق عليه بخصوص حقوق الإنسان وترسل طائرات (بي ـ 52) إلى الجماهير الفقيرة والمعدمة ونبدأ في قتل أعدائنا."

ماذا عن حرية النشر وحرية المعلومات وحرية التعبير التي تميز بها الغرب على ما سواه في هذا العصر؟ الذي لاحظناه أنه بعد الحادي عشر من سبتمبر أصيبت مصداقية المؤسسات الإعلامية بشرخ كبير، ,أصبحت هذه المؤسسات الضخمة في حجبها للأخبار ومراقبتها لما تبثه لا تكاد تختلف عن أي مؤسسة إعلامية صغيرة لنظام مستبد. فمثلا المدير التنفيذي لشبكة (السي إن إن CNN) يوجه العاملين والمراسلين بأن لا يركزوا على الضحايا في أفغانستان وما أحدثته الطائرات الأمريكية من دمار رهيب وقتل بين المدنيين لأن ذلك يجعل الناس يتعاطفون معهم. ويوجه العاملين قائلا:"إنه من الحمق التركيز على الضحايا والظروف الصعبة في أفغانستان. إننا يجب أن نقول للناس: إن طالبان تستخدم المدنيين دروعا بشرية وأنها تؤوي الإرهابيين المسؤولين عن مقتل خمسة آلاف بريء". وكان لمستشارة الأمن القومي (كونزاليزا رايس) يد في توجيه الإعلام وإخراجه عن حياده.

ولم تكتف أمريكا بالضغط على المؤسسات الإعلامية الأمريكية بل تجاوزت ذلك إلى الضغط على سواها فدمرت"مكتب الجزيرة"في أفغانستان ، وضغطت على الجزيرة لئلا تبث حقيقة ما يجري من تدمير وقتل للنساء والأطفال في أفغانستان. وماذا عن حرية الأفراد الأبرياء، كيف تغير التعامل معهم بعد الحادي عشر من سبتمبر؟ من الأعراف الراسخة في الغرب أن رجل الأمن يتلو على من يقبض عليه حقوقه وأن له الحق في الصمت فلا يتكلم إلا أمام القاضي أو من خلال محاميه .

ولكن بعد الحادي عشر من سبتمبر قبضت أجهزة الأمن الأمريكية على آلاف من العرب والمسلمين

من غير تهمة حقيقية ولم يكن لهم حقوق تصان، ونالهم من الأذى والتعذيب من أجل الحصول على اعترافاتهم ما لم يكن معهودا من قبل ، فكان ذلك سقوطا آخر لقيم الحضارة الغربية. وما تعمله أمريكا مع الأجانب من القبض عليهم والتحقيق معهم ، وما تفعله تجاه المؤسسات الإعلامية من مراقبتها لا يختلف عن إعلان الأحكام العرفية الذي تقوم به أي دولة أخرى من الدولة المتخلفة التي لا تتمتع بمصداقية شعبية.

ونحن نقر أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر ليست كغيرها ، وأنها أصابت أمريكا في القلب وحطمت كبرياءها ، ولكن هذا ليس مسوغا لتجاوز قيم العدل وظلم الآخرين. ونحن وإن كان يسرنا سقوط قيم الظلم أيا كانت فإنه لا يسرنا أبدا أن تسقط القيم الحسنة التي تدعو إليها الحضارة الغربية. فقيم العدل و حقوق الفرد وكرامته وحق الشعوب في تقرير مصيرها من القيم التي يسرنا انتشارها والتمكين لها.

إن هذه القيم عامة تتجاوز الحضارة الغربية وترتبط بالإنسان من حيث هو إنسان وانتصارها والتمكين لها هو انتصار لجانب الخير الذي في الإنسان، والتعدي عليها وامتهانها هو تعد على جوانب الخير التي يحميها ويدعو لها الإنسان

أمريكا.. انحطاط مغلَّف بالقوة!

صافيناز كاظم 9/2/1425

الغرب دائمًا..ككيان استعماري ينظر إلينا نحن العرب نظرة متعالية شديدة الاعتداد بالذات واحتقار الآخر، وللأسف أسهم في دعم هذه النظرة الاستعلائية الغربية نحونا بعض مثقفينا وكتابنا الذين بالغوا في الثناء على الحضارة الغربية ومنجزاتها!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت