فهرس الكتاب

الصفحة 2238 من 2255

فحقيقة الحضارة عند مالك بن نبي وكثير من المفكرين هي أعمّ من العمران المادي؛ وهذا ما دعا البعض للتميز بين مصطلح (الحضارة) ومصطلح (المدنية) باعتبار الاشتباه اللغوي بينها؛ فالمتحضر هو الذي يسكن الحواضر، والمتمدن هو الذي يسكن المدن، لكن حين وجد كثير من المفكرين والباحثين أن ارتقاء حياة الإنسان ذو بعدين أساسين: بُعد شكلي، وبعُد داخلي؛ رأوا أن يطلقوا مصطلح (المدينة) على ما يتم من ارتقاء في مضامين الحياة الحضرية، ومصطلح (الحاضرة) على الارتقاء الشكلي الذي يتمحور حول وسائل العيش وأدوات الإنتاج وطريقة تنظيم البيئة وليس هذا بمطرد عند الكل -.

وفي المذهبية الإسلامية التي ننظر من خلالها للكون والحياة اهتمام شديد بمسألة التفريق بين المدنية والحضارة.

فقد ذمّ الله - عز وجل - أممًا وأقوامًا قطعوا أشواطًا في العمران، واستخدام الموارد، وتصنيع الأدوات، لكن عتوّهم عن أمر الله - تعالى - وفساد مضامين نظمهم العمرانية؛ تسبب في هلاكهم وإبادتهم. وفي هذا يقول الله - عز وجل: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (10) . وقصّ علينا ما بلغه قوم ثمود من الارتقاء والقوة: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (11) ، ولكن القوم كفروا وأعرضوا عما قاله لهم أخوهم صالح؛ فكانت النتيجة أن أخذتهم الرجفة:"فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين"..

وفي المقابل؛ فإن المدينة المنورة التي شهدت أول مجتمع إسلامي، لم تكن في أوضاعها المدنية تتجاوز ما عليه قرية صغيرة في أي بلد من بلدان العالم الثالث اليوم. لكن ذلك المجتمع كان حسب المقاييس المدنية وهي شبه عامة يشكّل قمة التمدن والرقي الخلقي والسلوكي والعلائقي. ففي المجتمع المدني كانت الأهداف الكبرى واضحة، والغايات مشرقة، وقد بلغ من وضوحها وسيطرتها على النفوس أن كان المسلمون حتى الأطفال يتسابقون إلى نيل شرف الشهادة على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، وكان من المسلمين من يعمل ويجتهد ليتصدق ببعض أجره في المساء، وبلغ الناس من النقاء وحب التطهر أن اعترف أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الرجال والنساء بارتكاب جرائمهم مطالبين بكل إصرار أن ينزل عليهم عقوبة الدنيا ولو كانت الرجم بالحجارة حتى الموت حتى يلقوا الله - تعالى - وهو عنهم راض.. وبلغت شفافية الحكم والدولة أن كان مرتّب الخليفة لا يزيد على نفقة الطعام مع كسوة قليلة.. وخلا ذلك المجتمع من مظاهر تسلط الدولة فالقضاء والسجون ورجال الشرطة.. أمور هامشية إن لم تكن معدومة.. ومهما بيّنا درجة المدنية التي بلغها المجتمع الإسلامي آنذاك؛ فإن الحقائق تظل أكبر من الكلمات (12) .

وخلاصة القول: إن مقصودنا من استخدام كلمة (الوعي) في سياق المفهوم الحضاري الشامل للمدنية؛ يمكن تحديده بأنه:"إدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة بمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع".

والله الموفق للحق والصواب..

* رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

1 -سورة الإسراء 70.

2 -سورة الرعد 11.

3 -سورة آل عمران165.

4 -معجم مقاييس اللغة 6/124

5 -سورة الحافة 12

6 -سورة المعارج 18

7 -انظر: تجديد الوعي لبكار ص6

8 -انظر: المعجم الوجيز ص 157 إعداد مجمع اللغة العربية في القاهرة.

9 -مقدمة ابن خلدون 2/36.

10 -مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي ص 50.

11 -سورة الروم9.

12 -سورة الأعراف 74.

13 -انظر: تجديد الوعي لبكار ص 120-126، مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي لبكار ص353.

فضل الحضارة الإسلامية على العلوم الطبية

الاثنين:13/02/2006

(الشبكة الإسلامية) د . هناء إسماعيل ( مجلة الحج والعمرة )

كتاب النجاة لابن سينا

عندما جاء الإسلام اهتم العرب منذ فجره بشتى ضروب المعرفة والعلوم، وصاحب الانتصارات الحربية الرائعة، تقدم الثقافة وازدهار الفكر على صعيد جميع العلوم والمعارف النظرية التطبيقية بالإضافة إلى مختلف الفنون والصناعات.

وكان الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة الإسلامية بالعلم والعلماء عاملًا هيأ الظروف الملائمة لانتشار التعليم، فما لبثت العلوم والطب أن اكتسيا ثوبًا جديدًا، بل نفخت فيهما الروح من جديد. فلقد شجع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم نفسه دراسة الطب وقال:"تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهِرَم" [رواه أبو داود] .

حافظ العلماء المسلمون على تراث المعرفة الإغريقية فاحترموه وقدروه ونهضوا به وطوروه، وكان ذلك إسهامًا عظيمًا في تقدم الطب، فقد ترجم المسلمون إلى العربية مؤلفات جالين وغيره، ووزعوها على المراكز العلمية في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، فكان لهذا العمل العظيم والجليل فوائده العلمية الكبيرة والجمة.

وقد أسهم ولاة المسلمين كذلك في نهضة علم المعالجة بالعقاقير، بل يعتقد الكثيرون أن الكلمة الإنجليزية D صلى الله عليه وسلم ug المرادفة للعقار الطبي، مشتقة من أصل عربي، كما هو الحال في آلاف المصطلحات الأخرى.

كذلك أنشأ الولاة المسلمون المستشفيات التعليمية الكبيرة والمستوصفات العامة في سائر أنحاء الدولة الإسلامية.

ومن حسن حظ العلوم الطبية أنها حظيت بالنصيب الأوفى بفضل هذا التشجيع المعنوي والمادي من الخلفاء وأولي الأمر والثراء، لاسيما خلال الحقبة الواقعة بين الأعوام 800 - 1200م.

وهذا الازدهار شمل جميع الدول الإسلامية من الشرق في الشام إلى الغرب في الأندلس، وكان لمصر الإسلامية النصيب الأكبر في هذا التقدم الحضاري، فقد أعطت لدنيا العلوم الطبية الكثير، واعتبرت أحد ينابيع الفكر العربي.. فقد أعطت ما لم تعطه الولايات الإسلامية الأخرى حضارة وعلمًا وفنًّا وفكرًا وابتكارًا، فبعد أن من الله عليها بالفتح الإسلامي سنة 21هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التقت حضارة العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية بحضارة الفراعنة التي تسلمها أبناء النيل، وقد عكس المسلمون ضوء الشمس الغاربة للحضارات الفرعونية واليونانية، وكان لهم فضل الحفاظ على العلوم الطبية؛ لأن الرومان لم يحسنوا القيام على هذا التراث، بينما العرب المسلمون تسلموه وأتقنوه وأبدعوا فيه وأضافوا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت