فهرس الكتاب

الصفحة 2049 من 2255

الله في الدنيا وفي الآخرة[ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَادًا

كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ] ( هود: 60 ) ، إنها لآية للمعتبرين وعظة

للمتعظين ، ينتفع بها من ألقى لها سمعه ، ووعاها قلبه فهل من مدَّكر ؟ !

الحضارة المعاصرة:

لقد كانت قصة عاد من أعجب القصص التي تتكرر في بني البشر ، وقليل

منهم من يعتبر ، دلت على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه ، ولم يتترس بالإيمان ضد

الشياطين والشهوات كان الهلاك مصيره ، والخسران عاقبته مهما بلغ ماله وجاهه ،

ومهما كانت قوته وغلبته[ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ

يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ ] ( الفجر: 6-8 ) .

إن الإنسان المعاصر الذي ينتظم في منظومة هذه الحضارة الزاهية ، وينعم

بترفها قد أنعم الله تعالى عليه بنعم لا تحصى ، ذلل له الأرض حتى مهدها وعبّدها ،

والجبال فألانها وهدها ، وأقام عليها بروجًا عظيمة ، وشيد عمرانًا كثيرًا ، ألان الله

له الحديد فابتنى به مصانع كثيرة ، واستخدمه في منافع عديدة ؛ حتى اتخذ المراكب

التي تنقله في البر والبحر والجو ، فصار في مقدوره أن يقطع الأرض من شمالها

إلى جنوبها ، ومن شرقها إلى غربها في ساعات معدودة .

حفر الإنسان الأرض فاستخرج كنوزها ، وشغّل الحديد بطاقتها ، فدارت

الآلات في المزارع والمصانع تنتج للناس ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون ، وما

به يتنعمون ويترفون .

حضارة عتيدة ، وعمران ضخم ، وتقدم سريع ، ولكن هل اعتبر الإنسان بمن

مضوا في القرون السالفة ، والحضارات البائدة ؟ فسخر ما أنعم الله به عليه فيما

يرضيه [ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ] ( العلق: 6-7 ) .

طغى على ربه فجحد نعمته ، وأعلن إلحاده وكفره حينما ظن أنه مركز الكون ،

والمتصرف فيه كيف يشاء ، وأن عصر تدفق المعلومات سيلغي ما يسمونه

بالأيديولوجيات بما فيها دين الإسلام والعياذ بالله !

وطغى الإنسان على الإنسان فحاربه وجوَّعه ، حتى قُتلت أمم من بني الإنسان

لا تعلم لِمَ قُتِلَتْ ، ولا فِيمَ قُتِلَتْ ، وترمي الدول العظمى فائض الطعام في البحار في

الوقت الذي يموت فيه في كل لحظة بشر من الجوع ، وتشيَّد في بلاد الغرب البيوت

والملاجئ والمستشفيات للقطط والكلاب في وقت يموت فيه بشر في العراء .

بل تجاوز طغيان الإنسان غيره حتى طغى على نفسه فارتكب ما يوبقها ،

وصنع ما يهلكها من آلات لهو وفساد ، وأسلحة دمار شامل وغير شامل .

كيف ستكون حضارة بني الإنسان إذا كان من يسيرها قد أعرض عن ذكر الله

وركب هواه ؟ ! إنها إلى دمار ماحق ، وهلاك عاجل أو آجل ! !

أما كان لهم اعتبار في حضارة من سبقوا من عاد وثمود ، وقوم إبراهيم وقوم

لوط ، وفرعون وهامان وقارون ، وحضارة اليونان وحضارة الرومان ؟ أما كان

لهم في هؤلاء وغيرهم اعتبار ، إنه لن ينجي البشرية من شقائها ، ولن يحافظ على

حضارتها وعمرانها إلا التزام دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده والاستمساك به ولا

شيء غير ذلك ، وهذا ما أفصح عنه العالم الأسباني ( فيلا سبازا ) بقوله: « إن

جميع اكتشافات الغرب العجيبة ليست جديرة بكفكفة دمعة واحدة ، ولا خلق ابتسامة

واحدة ، وليس أجدر من أمم الشرق المحتفظة بالثقافة العربية الإسلامية ، والقائمة

على إذاعتها بوضع حد نهائي لتدهور الغرب المشؤوم الذي يجر الإنسانية إلى هوة

التوحش والتسلط المادي » [6] .

(1) البداية والنهاية (1/138) .

(2) التحرير والتنوير ، لابن عاشور (8/205) .

(3) المصدر السابق (8/206) .

(4) المصدر السابق (8/206) .

(5) المصدر السابق (18/167) ، وانظر تفسير الرازي (8/550) .

(6) انظر: الإسلام وأزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة في ضوء الفقه الحضاري ، لعمر بهاء الدين الأميري (22) عن النظام الدولي الجديد ، لياسر أبو شبانة (384) .

حول صراع الحضارات

الورقة الأخيرة

حول صراع الحضارات

أ . د . محمد يحيى [*]

منذ فترة قريبة خرج أحد أساتذة السياسة الأمريكيين بمقالة تحدَّث فيها عن

وقوع ما أسماه بـ ( صراع الحضارات ) كشكل حديث للصراع يحل محل الصراع

العسكري أو السياسي أو الدعائي الذي ساد حتى وقت قريب بين الكتلة الشرقية

السابقة والمعسكر الغربي ، وتحدث هذا الباحث وهو « صمويل هنتنجتون » عن

صراع بين الغرب والحضارة الإسلامية الناهضة وبين الغرب وكتلة آسيوية كبرى

ناشئة . وعلى الرغم من أن هذه المقالة لم تكن ذات وزن كبير في موازين الفكر

والفلسفة إلا أنها استثارت ردود فعل عديدة وحادة في عالمنا العربي الإسلامي ربما

كانت أكبر من حجم الطرح الذي قدمه الأستاذ الأمريكي ، والذي لم يكن سوى تحديد

متوقع لمسار السياسات الغربية في الآونة القادمة . وأكاد أقول إن ردود الفعل

الصادرة عندنا على هذه المقالة أو المقولة كانت أكثر أهمية من ناحية كشفها عن

مستويات وتوجهات معينة في التفكير . ومن هذه الردود مثلًا ما ذهب إليه نفر من

الرموز الدينية الرسمية حيث صرحوا بأن التعاون والتقارب بين الحضارات

والثقافات هو الذي يجب أن يسود وليس الصراع والتنافس ، ثم زادوا بالقول إن

الإسلام ما جاء إلى الدنيا إلا ليؤسس هذا التعاون بين الحضارات والثقافات ،

ويستبعد الصراع والتنافس .

وتكشف سطحية هذا الرد وتهافته عن نوعية من التفكير الضحل يراد لها أن

تسيطر على عقول المسلمين وتصوراتهم في هذه الفترة إزاء كل ما يصدر عن

الغرب ، وأقصد بها عقلية الاستخدام والاستضعاف والخنوع ؛ فأصحاب هذه العقلية

لا يتصورون أن يكون الإسلام منافسًا لعقائد الباطل أو مصارعًا لثقافات التغريب

والعلمنة والإلحاد والانحلال . وهم يريدونه خانعًا ذليلًا منزويًا لا يحرك ساكنًا ، بل

إذا جاء كاتب من الغرب ليكشف عن أن سياسة قومه في المرحلة القادمة تجاه

الإسلام هي سياسة صراع وحرب ونزال جاء هؤلاء مرتعشين خائفين ليؤكدوا أن

الإسلام دين محبة وسلام تجاه دعاة الحرب والصراع .

والواضح من متابعة أجهزة الإعلام ، ووضع السياسات ، ومن السياسات

الفعلية المنفذة على الأرض أن مقولة: « صراع الحضارات والثقافات » هي فعل

مطبق وليس تصورًا مستقبليًا ؛ فالكنائس وأصحابها من بابوات وأساقفة يجوبون

مناطق إسلامية يروجون لمذاهبهم حتى وهم يرفعون شعارات التقارب والحوار بين

الأديان ، والمؤامرات تدور على قدم وساق وعلى نطاق استراتيجي واسع لضرب

الإسلام وتقزيمه بوصفه دينًا وعقيدة ؛ ولعل أبرزها ما يدور في وسط إفريقيا

وشرقها حيث استنفرت وسلحت جماعات متفرقة من جنوب السودان إلى إريتريا من

ناحية وزائير من الناحية الأخرى ؛ بهدف إنشاء دولة كبرى لقبائل التوتسي أو قبائل

غير مسلمة تحول دون انتشار الإسلام في تلك الأقاليم ، بل تعمل بعد ذلك على رده

ودحره إلى الشمال ، وتشارك في هذا المخطط بجانب القبائل والجماعات المحلية

دول إفريقية وبلدان غربية وكنائس عالمية ، وتجري في إطاره أحداث جسيمة

تراوحت من مذابح بوروندي و رواندا إلى الحرب في زائير وفي جنوب السودان ،

وإلى غزوات مسلحة هنا وهناك ، وتشجيع للتمرد وتسليح لجماعات المعارضة إلى

آخره . يحدث كل هذا أمام أعين الجميع مصداقًا لمقولة: « صراع الحضارات » ،

ويحدث مثله في أمكنة أخرى كأندونيسيا ، و جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت