فهرس الكتاب
في مرحلة التفكك الأولى جاء هذا المرض الحضاري من الفلسفة اليونانية التي انفتح لها المسلمون من نافذة"العلم"والشغف بالمعرفة . واستشرى هذا المرض عن طريق"المتكلمين"الذين خاضوا بحسن نية في مباحث نظرية لا صلة لها بالعمل ، كالعلاقة بين الذات الإلهية والصفات ، وخلق الأفعال ، وخلق القرآن ، والجوهر والعرض .. الخ ، ومن هنا بدأ التداعي .
ومن عجب أن الحضارة الغربية المعاصرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بالتمرد على هذا التراث اليوناني والأخذ بالمنهج التجريبى كصورة من صور الربط بين العلم والعمل: درسًا تلقته عن الحضارة الإسلامية .
نختار هنا من بين شهادات كثيرة شهادة برتراند راسل ، حيث يذكر أن هناك اتجاها فكريا في أوربا ، ( يعتبر سلطان القدماء اليونان كابوسا جاثما ، ويذهب إلى أن من الأفضل اليوم أن ننسى معظم ما أضافوه إلى الفكر ) أنظر تاريخ الفلسفة الغربية ج1 ص 73
وهو يرى أن اليونان ( استكشفوا الرياضة وفن التدليل القياسي وابتكروا الهندسة ، إلا أن ضيق نظر اليونان وانحصاره في جانب واحد يظهر في الرياضة ، فتفكير اليونان كان يتجه بهم في التدليل على نحو قياسي يبدأ بما يظهر لهم أنه بديهي ، ولم يكن تفكيرهم يسير سيرا استقرائيا ، بادئا مما شاهدته الحواس ) .
ثم يقول في عبارة صريحة إنه ( على الرغم من أن فئة قليلة منهم هم الذين أشرقت عليهم أشعة المنهج العلمي لأول مرة إلا أنهم بصفة إجمالية لم يكونوا يستسيغون المنهج العلمي بطبيعة عقولهم ) المصدر السابق ص 64
وفي عبارة أكثر صراحة يقول عن تطور نظرة قدماء فلاسفة اليونان إلى القول برجوع المادة إلى العناصر الأربعة: التراب والنار والهواء والماء: .. يقول: ( هاهنا عند هذا الحد وقفت كيمياء القدماء وقفة الأموات ، ولم يخط هذا العلم خطوة أخرى حتى أخذ الكيميائيون المسلمون في بحثهم عن حجر الفيلسوف وإكسير الحياة .. ) المصدر السابق ص 80-81
ولكن هذا العجب يلحقه الأسى إذ أن هذه الحضارة الغربية لم تكمّل الدائرة الثلاثية فاستبعدت عنصر الإيمان: ربطت بين العلم والعمل من جانب ، ولكنه فصلت بينهما وبين الإيمان من جانب آخر ، وقامت على العلمانية .
وحيث استفادت من الحضارة الإسلامية الربط بين العلم والعمل صدرت إلينا الفصل بينهما وبين الإيمان ، في صيغة العلمانية التي استبعدت الدين ، فجمعنا بين السوءتين: فصل قديم بين العلم والعمل ، وفصل حديث بينهما وبين الدين ، فكانت قاصمة الظهر ، بينما انطلقوا هم وقد ربطوا بين العلم والعمل وعلى أكتافهم سوءة واحدة - هي العلمانية - تظهر آثارها بعد حين .
ومن هنا تتضح الفروق الذاتية بين المشروع الذي قامت ـ وتقوم ـ عليه الحضارة الإسلامية وبين مشروع قامت عليه الحضارة الغربية المعاصرة . يتضح الفرق أساسًا في أن هذه الحضارة الغربية قامت في جوهرها نقضا من ناحية مباشرة ،ولكن تأكيدًا ضمنيا من ناحية أخرى للمشروع الأصلى للحضارة"أن الحضارة لله".
.والمسلمون اليوم مدعوون إلى مشروعهم الأصلى الذي"جُعلوا"له، لا إلى مشروع آخر هو في ذاته نقض لذات المقصد الشرعي: نقض لذاتية الحضارة الإسلامية . والله أعلم
حضارة الإنسيطانية الشيطإنسية
اسم الشيطان جاء لغويا من شطن أي انحرف عن الطريق
واسم الشيطان قرآنيا قسمة بين الإنسان والجن ( شياطين الإنس والجن )
معادية لله: الإلحاد + العلمانية
معادية للروحيات: الملائكة والروح والآخرة والغيبيات عموما
معادية للدين الصحيح: وصحة الدين مشروطة بتوجيهه للحياة الدنيا ، فيصبح من ثم مزاحما لها في السيطرة عليها ، وتم من ثم دخولها في نفق معاداة الإسلام
معادية للطبيعة المادية: باسم السيطرة على الطبيعة تم الدخول في نفق تدمير البيئة
معادية للطبيعة الحيوانية: باسم التطوير والسيطرة على الطبيعة تم الدخول في نفق السيطرة على الجينات الوراثية
معادية للطبيعة البشرية: باسم السيطرة على الطبيعة البشرية (الفطرة ) : سحبته من إشباع حاجاته الأساسية ( الطعام + الزواج + الصحة + العلم ) حرمته منها: فلا تأمين لطعامه ولا لعلاجه ، ولا لتعليمه ، ولا لزواجه ، وجرته إلى اصطناع حاجات مشتقة من قاع الإباحية وحرية الجنس بتوجيه الجهاز الرأسمالي: السلطوي ، والاقتصادي والإعلامي فحرمته من الأصل ودوخته مع المزيف وحرمته من فهم مشكلته ، وقادته إلى الاستعباد باختيار مصطنع تديره المؤسسة الرأسمالية من وراء ستار
معادية للإنسان في انحيازها لعنصرية الرجل الأبيض ( انقسام العالم الإنساني إلى عالمين: االتقدمي للرجل الأبيض والنامي للرجل غير الأبيض ومحاصرة هذا الأخير في دائرته بعوامل تاريخية بدأت بالاسترقاق والإبادة والاحتكار والاستعمار وانتهت بالحصار والهيمنة والسيطرة
معادية للمرأة: في إجبارها على العمل باستثناء النخبة منهن ، باسم تحريرها أجبرتها على العمل لتتزوج ثم لتعيش ( أجر الرجل والمرأة معا = أجر الرجل سابقا )
معادية للأسرة: باسم التطور حطمت الأسرة الكبيرة ، وآلت إلى الأسرة الصغيرة ، ثم النووية المكونة من المرأة والطفل ، بلا حاجة للرجل من أجل الإنجاب ، أما الجنس فهو على قارعة الطريق
معادية للسامية: الهولوكست + طرد اليهود إلى محرقة فلسطين ( أطروحة روجيه جارودي لم تكن نفي المحرقة ولكن نفي العدد الذي أشيع عنها وتخفيضه من بضعة ملايين إلى بضعة مئات الآلاف ) وما عداؤهم للإسلام غير فرع من دعائهم للسامية يقول أرنست رينان المستشرق الفرنسي الشهير في خطاب افتتاحي في الكوليج دوفرانس حول تصنيف الشعوب السامية في تاريخ الحضارة .. ( . الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الانتشار هو تدمير كل ماله صلة بالسامية الحقة: تدمير سلطة الإسلام الثيروقراطية ، لأن الإسلام لا يستطيع البقاء إلا كدين رسمي ، وعندما يختزل إلي وضع دين حر وفردي فإنه سينقرض . هذه الحرب الدائمة، الحرب التي لن تتوقف إلا عندما يموت آخر أولاد إسماعيل بؤسا ، أو يرغمه الارهاب( !! ) علي أن ينتبذ في الصحراء مكانًا قصيا . )
معادية للفقراء: تحطيم الاتحاد السوفيتي ومطاردة الشيوعية لحساب الرأسمالية
معادية للحرية: الحرية هي حرية الرأسمالية دون سواها ، وعلى هذا الأساس تمت مصادرة الحرية عن كل خصوم الرأسمالية ، وهي متسلحة ضد خصومها: بلقمة العيش ، بالإعلام ، بالقوات المسلحة ، بشعار الحرية نفسه: فلا حرية لأعداء الحرية ، احتكرت الديموقراطية فلا حرية لأعداء الديموقراطية = حلقة مفرغة
معادية للقيم الثابتة باسم التطور
النتيجة: باسم العلم والعلم وحده تماهت مع الجن في قدراته"العلمية"المشهودة ،"انا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك"ولكن في شطره الشيطاني ( الشطن: الانحراف )
موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى
د - جعفر شيخ إسماعيل
1.صدام الحضارات: هل هو أمر لازم؟