أما السياسة الخارجية لأمريكا - بعد انقشاع الحرب الباردة - فقد ظلت أسيرة حرب فيتنام التي جرت في العقد السادس ، ويرى العديد من المراقبين أن جزءًا هامًا من دوافع التدخل الأمريكي في الخليج ينطلق من شعار الرئيس الأمريكي: «لا فيتنام أخرى بعد الآن No mo صلى الله عليه وسلم e Vietnam » والذي يؤكد طرح اليمين الأمريكي بأن التدخل والتوسع على الساحة الدولية ضروري للقيام بالدور الاستعماري الكفيل بتنشيط الاقتصاد والثقافة الأمريكتين ، ولو تم ذلك بصورة مباشرة ومكشوفة ، وهذا ما يعارضه قطاع من الليبراليين. إن حرب الخليج شاهد على التخلص من عقدة فيتنام إلى الأبد ، ومؤشر على ضرورة التدخل في المناطق التي تشكل جزءًا هامًا من مناطق النفوذ والأمن الأمريكي في العالم ، أما قضية إصلاح الاقتصاد الأمريكي المتعثر فإنها تظل حبيسة الطروحات القديمة والمتمثلة في رفع أو خفض الضرائب والإنفاق الحكومي ، مما يؤكد شعور الناخب والمراقب الأمريكي أن ما يعرض عليه من قضايا لا يعدو أن يكون تكرارًا مملًا لتحديات الستينات.. مرحلة الفورة والبريق المفقود ، وإن السياسيين في كلا الحزبين يصرون على عدم الخروج من شرنقة الماضي وطروحاته ، عاجزين عن التصدي لتحديات اللحظة.
ما هو البديل؟
إذا كان المرشحون الحاليون لا يملؤون الفراغ الذي يحس به الناخب الأمريكي ، فما الذي سيملأ هذا الفراغ وذلك الفضاء المتسع؟
ابتداءً يجب التأكيد على نقطة هامة وجوهرية وهي أن هذا الخليط العجيب من الأعراق والديانات يجمعه هاجس «الفكرة الأمريكية» التي تقوم على عبادة الدولار والحرية الشخصية.. في مجال الحرية الشخصية يتمتع الفرد الأمريكي بهامش كبير منها ما دامت لا تتطور إلى «فكرة متحركة» تهدد الوضع القائم على الهيمنة البيضاء بشقيها المتحرر والمحافظ وثقافتها المسيحية/اليهودية ، كما يجمع المرشحان الحاليان بوش وكلنتون.. إن مرحلة تسييس الفرد الأمريكي التي مرت بسرعة خلال العقدين السادس والسابع حالة طارئة ، استنفرت المؤسسة الحاكمة جناحيها المحافظ والمتحرر لكبحها ، بالرغم من أنها تستمد جذورها الأصيلة من القيم الأمريكية ، ولذا فإننا نرى أن الفرد الأمريكي هو الأقل تسييسًا ومشاركة في القرار مقارنة بالدول الصناعية الأخرى ، وهذا ما يفسر جزئيًا انحصار العملية السياسية فعليًا في حزبين فقط يتقاربان كثيرًا في مسألة إبعاد الجماهير عن السياسة وإطلاق الحريات الضرورية ما دامت في خانة الآحاد المبعثرة..
أما الدولار - المعبود الأمريكي الأول - فإنه يعبر عنه بتعبيرات أكثر لباقة فهو أحيانًا يسمى «الاقتصاد» وأخرى «المصالح» وثالثة «بالعمل» ورابعة «بالأمن القومي» وخامسة «بالمناطق الاستراتيجية» ولكن كل هذه التعبيرات والمصطلحات تجمع على عبادة المال وتقديسه ، وهو ما يلخصه بعض المفكرين الأمريكيين «بالحلم الأمريكي» حيث الحرية الفردية الممتزجة بالراتب الوفير ، والسيارة الفارهة ، والبيت المملوك ، والمتاع المتوفر.. هذه هي أمريكا حتى بالنسبة للحالمين بالهجرة إليها: فرصة جديدة. لتحسين الدخل... ولذا فإن العديد من الناخبين الأمريكيين يرون في الدولار الهارب أزمة الأزمات وأخطر المخاطر التي يواجهونها ؛ لقد تعود جيل الطفرة الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية أن يجد عملًا مستمرًا ، وأن راتبه يزيد سنويًا وأن يتمتع بالمال المدخر الذي ينمو باستمرار.. وفجأة وجد أن هذه المسلَّمات قابلة للنقص.. وهكذا «يتعلق الأمريكان بالاقتصاد والمال بلهفة حتى المسائل الاجتماعية تجد جذورها المادية/الاقتصادية ، فمشاكل العلاج الصحي والتعليم ، والجريمة والمخدرات ينظر إليها من منظور فردي مادي ، حيث يشعر الناس أنهم مهددون بالطرد من العمل ، وعندها لن يجدوا العلاج المجاني ، وهذا ينسحب على التعليم حيث أن 88% من الأمريكان يؤمنون أن التعليم الجماعي ضرورة لحياة كريمة ، ولكنهم يرون أن أقساط الجامعات تتعدى معدل الدخل والتضخم ، ويقلقون بالتالي على مصير أطفالهم وكم سيدفعون لضمان تعليمهم.. وغالبية الجموع ترى أن المخدرات والجريمة من نتاج الفقر وتراجع الاقتصاد.. حتى السياسة الخارجية التي يؤمن أكثر من 71% من الأمريكان بضرورة الاستمرار في تسيير دفتها العالية تصبغ برداء المادة والمصالح الاقتصادية بعيدًا عن نظريات الحرب الباردة ومحاربة الشيوعية وموازنة القوى.. يجب إعطاء الجانب الاقتصادي أهمية بالغة في قدر وحجم التدخل الخارجي مستقبلًا بما يضمن استمرار الرفاهية والترف المعيشي.. أما المناطق الأقل اجتذابًا وفقرًا فيرى الأمريكي أن ردًا جماعيًا تقوم به الأمم المتحدة ربما يرفع الحرج عن الرد الأمريكي المطلوب تجاه هذه المعضلات» (5) .
إذن فالبوسنة تذبح لسنوات.. لا تعني الفرد الأمريكي لأن البترول غير متوفر هناك.. وبما أن الضحايا في عصر الارتداد إلى الماضي - زمن الشحوب الحضاري - لا يمثلون امتدادًا حضاريًا (يهوديًا مسيحيًا) لهذه الأمة.. والمحصلة النهائية مخزون هائل قائم على الماضي بأعدائه ورموزه وشخوصه يقف المسلمون في مقدمة القائمة المستهدفة ، ورغبة دفينة في الحصول على الموارد والمواد الأولية والاستثمار في اقتصاد قائم على توظيف الأموال الأجنبية وجنوح نحو غسل عار فيتنام. كل هذا لا يتم على مستوى النخب الحاكمة التي لها سجل طويل مخز في صنع المخاطر والتلاعب بتوجهات الجماهير إنما.. يأتي هذا الشعور المتنامي من القاعدة اللاهثة للمال والدولار والمغامرات الخارجية التي وصفها شوارزكوف في مذكراته بقوله: «هناك في واشنطن يقف صانعوا القرار الذين أدمنوا مشاهدة أفلام البطولات الأمريكية السينمائية يمتلئ صدر الواحد منهم ببطولات رامبو الأمريكي الذي يسحق الآخرين الأشرار في الوقت الذي لم يطلق أحدهم رصاصة في حياته إلا أنه يشعر أن بإمكانه اتخاذ قرار الحرب الشاملة بكل برود..» نعم بكل برود ما دامت الأوصاف التي يطالب بها الناخب الأمريكي اليوم هي الاستعمار البشع المكشوف ، وما دام الضحايا الذين تنطبق عليهم شروط الذبح الأمريكية منطقة واحدة محددة: العالم الإسلامي.
بالأمس كانت النخب المسيطرة والحاكمة في الولايات المتحدة تبرز مخزونها العنصري ، لا سيما حينما بدت الحرب الباردة تضع أوزارها.. حينها بدأت الهتافات الحارة والدعاوي المزيفة تستنفر الغزو الأمريكي بشعارات مثل: المسلمون قادمون الخطر الأخضر، المارد الأصولي يتململ ، محاربة التطرف الإسلامي ، وأد الإرهاب المحمدي.. وغيرها من الشعارات التي تفنن اليمين الديني الأمريكي في الدعاية لها والدعوة إليها.. أما اليوم فإن الفرد الأمريكي البسيط يرى في معركته المحتمة مع مناطق الاكتناز الاقتصادي مصيرًا لتحسن مستوى دخله دون أن تدفعه قوة عقائدية أو راية صليبية.. وإن كانت ضرورية حين تشن الحرب المقدسة لعوامل عدة أبرزها إضفاء الشرعية على التحركات الشريرة المقبلة...
الجديد في الطرح الأمريكي هو قوة الدفع الشعبي المنطلق من عقيدة عبادة الترف والذات لتلتقي في نقطة ما مع ما يدعو إليه غلاة اليمين الديني الجديد..
الهوامش:
3-بتصرف.. دانيال يانكلوفتش ، فورين أفيرز خريف 1992م .
4-ديوني: لماذا يكره الأمريكان السياسة ص 10.
5-فورين أفيرز خريف 1992.
قراءة نقدية لمفهوم"تصادم الحضارات"»
د. أحمد محمد العيسى
مقدمة: