فهرس الكتاب

الصفحة 1936 من 2255

الإنسان هو أساس الحضارة، ولذلك: يؤكد منهج التغيير الحضاري الإسلامي على صياغة الإنسان المسلم من جديد قبل بناء العمارات وإنشاء المصانع وتعبيد الطرق وتنظيم الحياة المادية، أو معها على الأقل.. بينما تركز الأيديولوجية العلمانية على نقل التكنولوجيا وتغييب الإنسان.

ولا شك أن الواقع خير شاهد على أن هذه الأيديولوجية العلمانية لم تفشل في ردم الهوة الحضارية بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم فقط، بل إنها ساهمت في زيادة اتساع هذه الهوة، لأنها كانت تسير بخطوات الغرب نفسها، فردت بضاعة الآخرين إليهم وصبت كل الجهود في محصلته.

وإذن: فالطريق الصحيح للخروج بالأمة الإسلامية من دائرة التخلف: أن نعود إلى منهاج الإسلام في التغيير الحضاري، فنقوم بتفجير الطاقات الكامنة في الإنسان المسلم، عندها نمتلك القدرة على القفز فوق كل الحواجز لتحقيق التقدم والإنجاز الحضاري.

إن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان على خريطة المستقبل إلا إذا تاب أبناؤها من خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل، وإلا إذا شمر كل منهم عن ساعديه، وتعبد لله في ليله ونهاره بالعمل الكثير.. وبدون ذلك، تبقى هذه الأمة بين مطرقة الغرب الحاقد وسندان أفعال أبنائها العاجزة، التي لا تعدو في كثير من الأحيان مجموعة من الكلمات!!.

إن التخلف الذي ترسف فيه أمتنا إنما هو في حقيقته نتيجة لازمة لكسلنا وعجزنا عن المبادأة في أي ميدان. ولا طريق لنا إلى التقدم إلا أن نكون على يقين أن الفاعلية هي طريق الأمم إلى الحضارة.

الهوامش:

(1) المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري، د. محسن عبد الحميد، ص 63، 64.

(2) المصدر السابق، ص 65، 66.

(3) هذا الدين، سيد قطب، ص 6.

(4) أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، د. أحمد كنعان ص 33، 34.

(5) لقد أطلقوا على المجتمعات المتخلفة لفظة (النامية) كي لا تشعر بعمق المأساة، فلا تتساءل عن سبب تقدم الآخرين وتخلفنا، ولا تتحول الهزيمة النفسية إذا ما أحستها إلى دافع يفجر فيها روح (التحدي) والرفض للواقع المزري؛ مما يجرها نحو التغيير من أجل التقدم والرقي.

(6) المجتمع الإسلامي، د. محمد أمين المصري، ص 33 ـ 35.

(7) مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ص 108.

(8) فقه الدعوة ـ ملامح وآفاق، عمر عبيد حسنة، ص 175.

(9) واقعنا المعاصر، محمد قطب، ص 181.

(10) المصدر السابق، ص 181.

(11) بين الرشاد والتيه، مالك بن نبي، ص 60.

(12) تأملات، مالك بن نبي، ص 170

(13) تأملات، مالك بن نبي، ص 190 ـ 191.

(14) كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟، محمد قطب، ص 242.

(15) تأملات مالك بن نبي، ص 185.

(16) كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟، محمد قطب، ص 244.

(17) أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، د. أحمد كنعان، ص 50.

(18) بين الرشاد والتيه، مالك بن نبي، ص172.

في فقه السنن والحضارات..

كيف نتجاوز سلبيات المرحلة ونعاود البناء؟

بقلم: د. سليمان عبد الدايم الخطيب

في إطار جهودنا الفكرية والدعوية المعاصرة، نحن في حاجة إلى استعادة الثقة بقدرة منهجنا الإسلامي على تجاوز مرحلة التردي الحضاري التي يحياها المسلم المعاصر برغم كل ما يحيط بواقع الأمة المسلمة. وهذه القضية تطرح علينا معاودة التذكير بفقه السنن والحضارات في خطابنا الفكري، حتى يتسنى لنا الوقوف على قدر من المعالم والرؤى المنهجية التي تمكننا من تجاوز تحديات المرحلة التي تفرض علينا إعادة صياغة وسائلنا الفكرية ووعينا الحضاري لتحويل (فقه التمكين) : (( الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) ) [الحج: 41] ، وكذلك (فقه الاستعمار الأرضي لعمارة الكون والحياة) : (( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ) [هود: 61] ، وتحويل هذه السنن القرآنية إلى واقع حضاري فعال.

تخلفنا الحضاري: أسبابه، وعلاجه:

لقد تخلفنا كثيرًا عن فقه التمكين لعدم وعينا بأوليات التوجيهات القرآنية التي تمكن المسلم ـ إن هو التزم بها ـ من استعادة كيانه الحضاري، وسط الكيانات المعاصرة، التي تسعى لافتراسه ومحوه من الخارطة الكونية، وبهذه الاستعادة يسدي المسلم المعاصر إلى العالم المعاني والقيم التي عجزت حضارة الصراع والتأزم الغربية عن تقديمها إلى الإنسان المعاصر.

فكيف عالج العقل المسلم قضية السقوط الحضاري؟ وكيف نستطيع من خلال الوعي بحقائقها بث أخلاقيات التفاؤل والتحصن بالرشد المطلوب للخروج من مرحلة التيه التي تكاد تعصف بالمسلم خارج الدائرة الحضارية. فتكاد أن تجمع مذاهب التفسير الوضعي للتاريخ، على القول بحتمية سقوط الدول والحضارات ـ بشكل أو بآخر ـ فـ (ماركس) يخضع حركة التاريخ، بدولها وحضاراتها وتجاربها، لحتمية تبدل وسائل الإنتاج وانعكاسه على الظروف، وأن كل وضع تاريخي مآله الزوال بمجرد هذا التبدل الدائم، أما (شبلنجر) و (توينبي) فيعلنان عن حتمية السقوط كأمر لا مفر منه، وبينما يغرق (شبلنجر) في تشاؤميته نجد (توينبي) يقع في تناقض صريح هو الآخر، عندما يؤكد في الأجزاء الأخيرة من دراسته للتاريخ على أن هنالك أملًا في بقاء الحضارة الغربية المعاصرة أمام الأعاصير (1) .

وعلى المستوى الإسلامي، نجد أن الدورة التاريخية عند (ابن خلدون) ، دورة محتومة لا مفر منها، والدول جميعًا تخضع لها، فليس هناك دولة تبقى لا يغلبها غالب، فكل دولة لها عمر كعمر الأفراد، تبدأ فيه نشيطة مزدهرة، ثم تهرم وتموت، فحركة الحضارة عنده تتخذ صفة الضرورة، الأمر الذي جعل نظريته تتصف بالحتمية التاريخية؛ فالدولة في دور انحطاطها أو هرمها، هي كالإنسان؛ إذ يكون هَرمه أمرًا طبيعيًا لا يتبدل، وأنه حتى إذا تدارك بعض أهل الدول ذلك التدهور بالإصلاح، فإن الأمر لن يزيد عن ومضة المصباح قبل انطفائه، توهم أنها اشتعال وهي انطفاء، ولكل أجل كتاب (2) .

ويعترض (مالك بن نبي) على حتمية (ابن خلدون) قائلًا: (إن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية(بيولوجية) هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله، أما في المجال الاجتماعي، فإن هذه الحتمية محدودة بل مشروطة؛ لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية، يمكن للمجتمع المنظم أن يعمل في نطاقها حين يعدل حياته، ويسعى نحو غاياته في صورة متجانسة منسجمة) (3) .

ولأن (مالك بن نبي) لا ينظر إلى ظاهرة (الحضارة) منفصلة عن ظاهرة (الانحطاط) ، فقد رأى أن العالم الإسلامي اليوم في حاجة إلى بلورة تحدد له قانون حركته التاريخية، وتهدي سعيه نحو النهضة، ولذلك راح يبحث عن الأسباب البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه.

وقد عزا الأسباب الجوهرية لسقوط الحضارة الإسلامية، إلى فقدان القيم الروحية والفضائل الخلقية، باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات، بالإضافة إلى خصوصية الحدث الحضاري الإسلامي الذي شكلته قيم ومعايير نبعت من العقيدة الإسلامية ذاتها، قبل أن تتحول هذه القيم إلى حركة حضارية في عالم الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت