فهرس الكتاب

الصفحة 1758 من 2255

لقد قالها القرآن الكريم بوضوح: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [سورة هود: 118] - إلاّ من رحم ربك- ولذلك خلقهم، أي خلقهم للتغاير والتنوع والاختلاف، وهي من بين جملة من الشروط التي تعين على تحريك الحياة البشرية ودفعها إلى الأمام، وتطهيرها من السكون والفساد: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [سورة البقرة: من الآية 251] .

في يوم ما حلمت الشيوعية بنهاية التاريخ على طريقتها الخاصة، تستلم البروليتاريا مقاليد السلطان، وتستوي الأمم والشعوب تحت مظلة شيوعية يستوي فيها الجميع، وتذوب خصوصيات وفواصل الأمم والطبقات والشعوب، ويغيب العمق التاريخي، والإرث الحضاري، و لا يتبقى هناك سوى نماذج مكررة تنتظر فرصتها للمأكل والمسكن والجنس.. فماذا كانت النتيجة؟

واليوم يحاول منظر أمريكي كفرنسيس فوكوياما أن يعيد المقولة نفسها، ولكن تحت مظلة الرأسمالية وبقيادة الدولة الكبرى والأقوى: الولايات المتحدة الأمريكية. وهرول المخدوعون بهذا الإدعاء يلقون أرديتهم وخصوصياتهم وإرثهم الثقافي ودينهم وعقيدتهم، وهم يتصورون أن الانتماء للمظلة الجديدة سيمنحهم الخبز والدفء والملذة والأمان.

وفي اعتقادي: فإن نظرية نهاية التاريخ وُلدت كي تموت؛ لأنها ترتطم ابتداء بقوانين التاريخ نفسه!

وأما سقوط الإيديولوجيات الذي أكدته معطيات القرن الأخير الموشك على الانصرام: إذ تهاوت نظرية الرجل الأبيض، والاستعماريات الغربية الكبرى، والشوفينيات العملاقة، والوجودية ذات الإغراء .. والشيوعية السوفيتية الأممية و .. فإنه لا يعني - بالضرورة- عدم قدرة الأيديولوجية أو العقيدة الأكثر انسجامًا مع مطالب الإنسان، على التواصل والديمومة والبقاء.. بل على العكس تمامًا: إن سقوط الإيديولوجيات الوضعية يؤكد ضرورة الإيديولوجية الدينية؛ لأنها الوحيدة التي لا تأسرها نسبيات الزمن والمكان، أو تصوغها عقول بشرية، مهما جدت واجتهدت فإنها عرضة للخطأ والقصور والانحياز.. لأنها تفتقد- ابتداء- القدرة الشمولية، والرؤية الموضوعية العادلة، للوجود والمصير.

والعولمة هي إفراز طبيعي تمامًا لجملة من الشروط والعوامل التي شكلت الحضارة الغربية المادية عبر القرون الثلاثة الأخيرة.. وهي مزيج مرتبط الوشائج من كل المؤثرات والمعطيات التي تنطوي عليها هذه الحضارة: التفوق العلمي في سياقيه الصرف والتطبيقي، والقدرة العسكرية بتقنياتها الهائلة المتمخضة عن ذلك التفوق.. والإمكانات الاقتصادية الأسطورية.. والمركزية الأوروبية المنسحبة، أو المهاجرة إلى القارة الجديدة، ورؤية الرجل الأبيض للشعوب الأخرى، والعقلية الاستعمارية الباحثة عن تسخير الأيدي والعقول العاملة الأكثر رخصًا وعطاءً، وعن الخامات التي تديم قدرتها على العمل والاستمرار، والأسواق التي تلتهم إنتاجها.. أضف إلى ذلك نبضها الديني الذي لا يزال يخفق تحت أردية العلمانية والإلحاد وينتظر الفرصة للرد على أولئك الذين تحدوه يومًا، وإنزال العقاب بهم.

هذه كلها تجتمع اليوم لكي تشكل منطوق العولمة بفرضياته ومعطياته معًا.. بل إن نظرية نهاية التاريخ نفسها، وبموازاتها نظرية صراع الحضارات لصمويل هنتنجتن وغيرهما من التنظيرات الفكرية تصب هي الأخرى في بؤرة العولمة.

ولنتذكر اللدغة التي تلقتها المنظومة الشرق أقصوية التي طمحت إلى قدر من الاستقلالية في نشاطها الاقتصادي والمالي... إذ سنجد أن الخاسر الوحيد في لعبة العولمة، أو دولابها الأسطوري هي الشعوب الأضعف، مهما كانت مطالبها عادلة ومحقة.

إن خط الغنى والفقر الذي سبق وأن تحدث عنه المفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله- والذي يمتد على محور طنجة- جاكرتا، فيفصل العالم إلى شمال وجنوب.. لن يكون بمقدور العولمة أن تلغيه بوعودها الخادعة، بل على العكس، وكما هو واضح عبر معطيات العقد الأخير، ستزيده عمقًا، وسيكون عبور الخنادق الموغلة بين الطرفين أمرًا مستحيلًا

منابع التغريب

د. لطف الله بن ملا خوجه 4/5/1428

خلاصة

المنابع

تغريب.. لكن بيد من ؟

خلاصة:

-المطلوب من هذا الموضوع: تحديد منابع التغريب؛ موضوعا، وغاية.

-والهدف من ذلك التحديد: التوصل إلى طرق إيقاف ومنع حركة التغريب.

-والعلة لذلك: حفظ الدين، بقصد التقرب، والتخلص من موبقات التغريب.

في تحديد المنابع بدقة؛ بشمولية جامعة، مانعة: قطع لنصف المسافة تجاه الهدف.

أما النصف المتبقى ففي معرفة طرق إيقاف ومنع التغريب.

والإيقاف يكون بأمرين، هما: قطع الإمداد، وردم المتشكل القائم.

فهاهنا عمليتان:

الأولى: قطع الإمدادات عن العملية التغريبية.

الثانية: ردم كافة الأشكال القائمة منها.

فكيف ذلك ؟، ومن الذي يقدر ؟.

لنرجع أولًا إلى النصف الأول من المسافة؛ لتحديد المنابع: موضوعها، وغايتها.

المنابع

المنابع هي النقاط التي ينطلق منها المشروع التغريبي، وهي نقاط حية. وفي العادة هي سلاح يصلح استعماله في الجانبين: النافع، الضار.

وهذه هي الفتنة ؟!!.. فبجانبها النافع يُلبّس ويُعمّى عن الضار ؟!!.

ويمكن حصر المنابع فيما يلي:

أولا: السياسة.

في صورة ضغوط سياسية، تمارسها القوى المهيمنة بواسطة أدواتها، كمجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة، ولجانها المتعددة: على الدول الضعيفة - والإسلامية خصوصا منها - لتنفيذ خطط التغريب، تحت شعارات: الإصلاح، والديمقراطية، والتعددية، والليبرالية، وحقوق الإنسان (= المرأة بالأخص، والأقليات الدينية، والمذهبية، والعرقية) .

وفي بعض الحالات تلجأ إلى الحروب المباشرة؛ لفرض التغريب بالقوة، كما حدث في احتلال أفغانستان والعراق، تحت ذريعة حرب الإرهاب.

ثانيا: الاقتصاد.

في هيئة تحولات اقتصادية كبرى، تهيئ لخطط التغريب. هذه التحولات تتركز في صور:

1-التجارة الحرة، والتي تجيز كافة أنواع البيوع، حتى المحرمة عينها، ووسيلتها، من غير نظر إلى دين أو خلق سوى زيادة الأرباح.

2-توسيع دائرة عمل المرأة، ودخولها سوق العمل المختلط.. تحديدا، وقصدا، وتخطيطا؛ إذ هي نقطة رئيسة كبرى في العمل التغريبي، وعامل جذب في الجانب الاقتصادي.

وهذا العامل من أخطر الأدوات والمنابع؛ إذ الاقتصاد يتخلل كافة مفاصل الحياة، فصبغه بالشكل التغريبي يعني: امتداد تأثيره وشموله كل الأفراد والأسر.؟!!!.

-فالتجارة - وهو نشاط عام لا يستغني عنه الأفراد والمجموعات - لا تتأتى إلا بالنظم الغربية، من: بنوك، وتأمينات، وبورصات، وأسواق أسهم، وكلها فيها ما فيها من المحرمات، والشبه، والمشتبهات.

-وفي البدايات يتاح للمرأة أن تختار العمل في نشاط أنثوي منعزل، لكن مع سريان حمى الاختلاط في كل مكان: لن تجد إلا العمل المختلط، فتضطر للدخول في دائرة العملية التغريبة؛ كي تقتات وتعيش أسرتها، ولن تجد أسرتها إلا هذا الطريق لها.

ثالثا: الثقافة.

هي ثقافة بديلة، تنّظر وترسّخ التغريب، تقوم على فكرة الحرية الفكرية، وإبطال كل الموانع، بدعاوى الإبداع والفن، تستعمل فيها: الصحف، والمجلات، والروايات، والكتب، والقصص.

وصورة التغريب هنا هي: اختراق كافة النقاط المحرمة في الدين والأخلاق والقيم.

-بالكلام في: الذات الإلهية، والمقام النبوي، والدين، والتراث, والسلف. بكلام غير مقدِّس، ولا معظِّم، وفيه كثير من الجرأة والتنقص.

-وطَرْق الأفكار الإباحية بشكل علني مكشوف غير مستتر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت