إن قوانين الفضيلة ونظام الأخلاق يفترض ويحتم أن يكون ثمت مصلحة مشتركة لدى كل الأطراف لاحترامها والتعامل معها بمصداقية ، وتقديمها على أنانية الذات وطموحها المفرط ، ونحن على إدراك أن الإسلام رسالة هداية وتصحيح للبشرية ، ومن الأفضل أن يتفهم الغرب بنفسية هادئة المفهوم الإسلامي وخياراته .
(1) هذه الورقة خطاب موجه للعقلية الغربية ، وليس يقصد تقديم رؤية أو مشروع داخل العقل الإسلامي و مجتمعه .
بماذا امتازت حضارتنا؟
د. غازي التوبة ... ... ... ... ... 2/7/1428
يلحظ الدارس لأوضاع الحضارة الإسلامية امتيازها بإنجازات لم تنجزها الحضارات الأخرى، ومن هذه الإنجازات تحقيق العالمية، وامتزاج الشعوب بين بعضها بعضًا، وإعطاء الفرصة لكل الأعراق والأجناس والشعوب من أجل أن تساهم في تكوين الحضارة الإسلامية وتقديم ما تحسنه من أجل استمرارها، ويؤكد ذلك استعراض القائمين على كل فن من فنون الحضارة، أو عِلْمٍ من علومها، أو مجال من مجالاتها، فسنجد ذلك الفن أو العلم أو المجال مملوءًا بأسماء من كل الأجناس والأعراق والشعوب كالعرب والفرس والترك والكُرد... الخ. والسبب في ذلك بسيط ومعروف، ويعود إلى أن الدين الإسلامي ليس دينًا خاصًا بالعرب، وأن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يُبعث للعرب وحدهم، وأن القرآن الكريم لم ينزل من أجل هداية العرب وحدهم، إنما الدين الإسلامي والرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم لكل الأجناس والأعراق والشعوب، وقد وردت عدة آيات تبرز المعنى السابق منها قوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء،107) ، وقوله تعالى أيضًا: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (الأعراف،158) ، وقوله تعالى عن القرآن الكريم: (إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف:104) . وقد تحققت العالمية في واقع الحضارة الإسلامية بسبب آخر هو جعل الإسلام التقوى ميزان التفاضل وليس الجنس، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات،13) ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس ألا إنّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (رواه أحمد) .
وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام نجح في تحقيق العالمية والدمج بين الأعراق والأجناس والشعوب حيث أخفقت في ذلك قيادات ومجتمعات أخرى، وأبرزها الاسكندر المقدوني الذي قصد إلى تحقيق العالمية في فتوحاته بتوجيه من أرسطو المعلّم الأول، لذلك أنشأ الاسكندر المقدوني مدنًا كالإسكندرونه والإسكندرية من أجل أن تكون مراكز علمية تصدّر حضارة واحدة هي الحضارة الهلّينستية، وحاول دمج العرقين اليوناني والفارسي في حفل الزواج الكبير الذي أقامه في بابل، وتزوج فيه ابنة كسرى أنو شروان، كما زوّج ضباطه بنات رجال الدولة الفارسية، لكن أحلام الاسكندر المقدوني وأستاذه أرسطو من قصد دمج العرقين اليوناني والفارسي من أجل صنع حضارة عالمية تبخرت بعد وفاته، ولم يتحقق منها شيء على أرض الواقع.
وتتضح قيمة حضارتنا العالمية إذا قارنّاها بواقع الحضارة الغربية التي أعلت من شأن الجنس الأبيض وحكمته في كل شؤون الحضارة الغربية، ولم تتح للأعراق والشعوب والأجناس أن تأخذ دورها، ففي أمريكا مثلًا التي قامت على خليط من الشعوب والأجناس والأعراق، والتي يُفترض أن تكون فرصة الأعراق والأجناس والشعوب الأخرى كبيرة، جاء جميع الرؤساء الأمريكيين من الجنس الأبيض، ومن العرق الأنغلوساكسوني، ومن المذهب البروتستنتي باستثناء رئيس واحد جاء من المذهب الكاثوليكي هو الرئيس جون كيندي.
ومن الأمور التي امتازت بها حضارتنا سعة الإعمار الذي طال الإنسان والحيوان والزراعة والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والبناء... الخ، وقد جاء ذلك من أن الدين الإسلامي لم يحتقر الدنيا، ولم يعدّها دنسًا يجب الابتعاد عنه، أو يجب إهماله من أجل الفوز بالآخرة، بل عدّ إعمارها والتمتع بطيباتها عبادة ومجلبة للأجر كالصلاة والصيام بشرط توجّه القلب إلى الله عند القيام بذلك، ويوضح ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم محرضًا على الإعمار:"إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألاّ يقوم حتى يغرسها فليفعل" (رواه أحمد) ، ويوضحه أيضًا إعطاء المسلم الأجر الأخروي على قضاء الشهوة الخاصة التي عُدّت دنسًا يجب الابتعاد عنه في الأديان الأخرى، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن في بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر. قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (رواه مسلم) ، ويوضحه تصريح الرسول بمحبوباته من الدنيا فكانت النساء إحداها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"حُبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة" (الجامع الصغير) ، كما اعتبر الإسلام جلب المنفعة للناس سببًا وطريقًا إلى حب الله تعالى، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الخَلْق كلُّهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" (الجامع الصغير) .
ويتصل بالإعمار تحريم الإسلام الرهبانية التي تعني الانقطاع عن الدنيا والالتفات إلى الآخرة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل" (رواه أحمد) ، ويتصل بذلك أيضًا تحريم تعذيب الجسد وقتل الطاقات، فقد نقلت الأحاديث أن ثلاثة من الصحابة سألوا إحدى زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن عبادة الرسول عليه الصلاة والسلام فتقالّوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: فإني أصلّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، ، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه البخاري) ."
ومن الأمور التي امتازت بها حضارتنا إيجاد الآلية التي تجدد المجتمع، وتصحّح الأخطاء، وتقوّم الانحرافات، وذلك من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد اعتبر القرآن الكريم أن خيرية الأمة الإسلامية جاءت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ