فهرس الكتاب
فإن المرء يقول: إنه لولا العرب لما كان لعلم أوروبا وفلسفتها أن يتطورا ، وحين
أصبحت أوروبا مهتمة بالعلم والفلسفة: كان عليها أن تتعلم كل ما يمكن من العرب
قبل أن تتمكن من تحقيق خطوة إلى الأمام « [3] .
ولقد أخطأت أوروبا - كما أخطأ مقلدوها - حين خاصمت السماء بالعلمانية ،
وأبدت لقيمها تنكرًا بينًا بوازع من ضغوطات كنسية موتورة ، مورست ضد سنَّة
العلوم الكونية باسم المسيحية ، وبدلًا من أن تتجه دفة التقدميين الغربيين إلى الإسلام
إقرارًا بالفضل وعرفانًا بالجميل ، نابذته الجحود والنكران والإلحاد ، بل ظاهرت
عليه بالإثم والعدوان ، فحق عليها الحرمان من مدد الله ، وأوكلت في مواجهة سعار
ماديتها التي اصطنعتها بأيديها: إلى تدبير فلسفتها التي انتحت بالغرب كله - في
حين من الزمن - شطر الضلالة والتمزق الضياع .
ولقد امتدت يد العلمانية الآثمة إلى كيان الخلافة الإسلامية ، فطعنت قلبه ،
وصدعت أركانه ، ومزقت أوصاله ، وأقصت نخب الفكر الإسلامي ورموز الوفاء
عن دائرة الحضور والفاعلية في بلدانهم ، وكان في هذا الإجراء الحنون ردم لرافد
حضاري ثري ، وتدمير لمنهج مدني مؤسس على الضمير والفكر والروح الإنسانية
المؤمنة ، وكان في إبعادهم والقضاء على بعضهم والتغرير ببعض آخر حكم على
طبيعة الحياة الإنسانية في هذه البقعة الممتدة بالموت البطيء ، كان في هذا الإجراء
كما في الفلسفة العلمانية سلخ للروح عن الجسد ، ونزع للعقل عن الضمير ،
وتغييب للقيم الأخلاقية النبيلة عن دنيا الناس أجمعين إلا من رحم الله .
والذي تجدر إثارته في هذا السياق عدة أسئلة: ماذا بوسع الإنسانية تحقيقه من
مكاسب بعيدًا عن الدين والتدين ؟ وماذا جنت بانتكاسها عن قيم السماء ، وإعراضها
عن منهج الفطرة وتنكبها سبيل الأخلاق الفاضلة ؟ أو بتعبير آخر: ماذا كسبت
الاتجاهات العلمانية بعد أن خسرت الله ؟ ! وهل كانت العلمانية عند حسن الظن بها
في تجنيب العالم مشكلات التصادم وفواجع الحروب ؟ !
لقد مضينا والعلمانية في بلداننا الإسلامية قرابة قرن من الزمان ، فهل حققت
العلمانية وعودها إلى الجماهير من نهضة منشودة ، وصحوة ممدودة ، ومدنية
موعودة ، وعيشة مرغودة ؟ ! وهل تحرك مؤشر هذه المدنية التي زعم العلمانيون
تحولها بفارغ وسعهم وغاية جهدهم: نحو الصعود بدرجة أو بأخرى ؟
أم أننا لا زلنا منزوين في خانة التبعية والانحسار دون أن نلوي على شيء
مما كنا نتطلع إليه بعيدًا عن الله ؟ ! ! إن القيم الربانية بأبياتها الخلاَّقة المبدعة
وآلياتها الفاعلة هي وحدها مدعاة بلوغ الإنسانية أمر رشدها الذي لا ضلال معه ولا
سبيل إلى تصادمها وتناحرها به ! فالعلمانية إذن » ليس لها مكان في وجود الإنسان
مع الإسلام: فإما أن يوجد الإسلام ولا علمانية ، أو توجد العلمانية ولا إسلام « [4] ؛
فالتركيبة الحضارية الإسلامية ذات خواص متميزة ومضادة للعلمانية ، ومفطورة
على مجافاة الابتذال الحضاري على هذا النمط الغربي الكريه ، ولأن هذه التركيبة
اختلطت بعناصر غريبة فقد غيرت من طبيعتها نوعًا ما ؛ فإن ظواهر الصحوة
الإسلامية على مر السنين كانت بمثابة عنصر التوازن المنشود الذي يعيد إلى هذه
التركيبة حيويتها المدهشة الفعالة .
والإسلام في هذا السياق كله: لا يعتد بأنصاف الحلول ولا بأرباعها ؛ فإما
علمانية وإما إسلام ؛ فلا تملق ولا تلفيق ، ولا عوج أو انحراف . يقول - تعالى -:
[ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوا
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ]
(هود: 112-113 ) .
إنني لأرى العالم بأسره شارعًا سفائنه - طوعًا أو كرهًا - باتجاه رياح
العولمة والطريق الثالث وغيرهما ، وكلها صوارف وذواهل عن طريق الله المستقيم ،
وكأنني بالله ينادي هذه القطعان الشاردة:[ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] ( الأنعام: 153 ) .
يناديها فلا تلقي له سمعًا أو تعيره أي انتباه ، ثم ما يلبث نداء الله يتكرر باتجاه
تلك الجموع السادرة لا سيما أولئك الذين بينهم وبينه عهد وميثاق ، ولكنَّ وَهَنَ
التبعية لغيره جل وعلا أعياهم ، وصرفهم بريق الحول عنه سبحانه فهل سيصغي
المعنيون بنداء الله ، فيفيئوا إلى مرافئ الهداية وشطآن النجاة ؟ ! أم أنهم سيظلون
سادرين حتى تمخر بهم سفائنهم في لجج التخبط والحبوط ، فيمضوا إلى المجهول
غير مأسوف عليهم ، فإذا بنداء رباني عاتب وأخير:[ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ
أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ]
( يس: 60-61 ) .
(1) نقلًا عن مجلة نور الإسلام ، مصر ، العدد الثالث ، لسنة 65 ، ربيع الأول 1417هـ ، ص 14 .
(2) نقلًا عن: رجعية التقدميين ، أبو الحسن الندوي ، مقال صحيفة الرائد الهندية ، العدد: 8 1417هـ ، ص 4 .
(4) العلمانية والإسلام ، محمد البهي ، كتاب مجلة الأزهر ، مصر ، 1415هـ ، ص 15 .
إشكال المصطلحات من المنظور الحضاري
في دائرة الضوء
إشكال المصطلحات من المنظور الحضاري
د . أحمد محمد الدغشي [*]
على كثرة العاهات الفكرية والنفسية والتربوية التي تعاني منها الأمم المغلوبة ،
فإن ثمة مشكلة ما انفكت تفتك بنخبها وعامتها على حدّ سواء ، وذلك فيما يتصل
بغزو المصطلحات الأجنبية الوافدة لتلك المجتمعات .
ويسعى بعضهم لتبسيط هذا الإشكال ، فيما يسعى آخرون ليجعل منه عنوان
الثقافة المستنيرة ، وسمة التحديث ، ويكاد القاسم المشترك بين جميع هؤلاء يبرز
في صورة تسويغ ساذج مفاده أن مسألة المصطلحات عبارة عن أداة تواصل إنساني
مشتركة لا تعرف وطنًا أو دينًا أو حضارة ، حيث غدت لغة عالمية مشتركة ، من
تخلَّف عن استعمالها كتب على نفسه الانزواء ، والبحث خارج دائرة الحدث ، وبقي
في ذيل القافلة في حين يتقدم كل شيء حوله ، لا بل إن من نازع في أهمية التفاعل
مع مصطلحات الآخر على نحو لا يؤمن بخصوصية ، ولا يعترف بأي فارق فيها
يكون قد حكم على نفسه بالإعدام الحضاري !
ويضيف بعض المفتونين بالآخر قائلًا: إن التشدد في ضبط المصطلحات ،
والبحث عن خصوصياتها ، اهتمام سطحي لا قيمة له ، ولا جدوى من ورائه ،
والواقع الموضوعي . والنظر العلمي الفاحص يخالفان كلاهما ذلك الزعم ، ويكشفان
أن الاهتمام بالمصطلحات وضبطها وتحديدها ليس اهتمامًا ترفيًا ، ولا قضية
هامشية ، فضلًا عن أن يكون انغلاقًا أو اهتمامًا بالأشكال والصور على حساب
الجوهر ، أو بالمباني والألفاظ على حساب المعاني والدلالات .
إن دراسة هذه المسألة بحث في جانب علمي منهجي معقد ذي ارتباط نفسي
وتربوي وثيق بين شخصية الباحث وموضوع البحث ، أو بين الذات العارفة
والموضوع المعروف ، أو بين التعبير والتفكير . ولعله لم يصب البحث العلمي في
عصرنا الحاضر بآفة منهجية أكثر مما أصيب بالعشوائية في استخدام المصطلحات
العربية ، على حين يجري اللهث والانتقاء وراء استعمال المصطلحات الأجنبية