فهرس الكتاب

الصفحة 2041 من 2255

فإن المرء يقول: إنه لولا العرب لما كان لعلم أوروبا وفلسفتها أن يتطورا ، وحين

أصبحت أوروبا مهتمة بالعلم والفلسفة: كان عليها أن تتعلم كل ما يمكن من العرب

قبل أن تتمكن من تحقيق خطوة إلى الأمام « [3] .

ولقد أخطأت أوروبا - كما أخطأ مقلدوها - حين خاصمت السماء بالعلمانية ،

وأبدت لقيمها تنكرًا بينًا بوازع من ضغوطات كنسية موتورة ، مورست ضد سنَّة

العلوم الكونية باسم المسيحية ، وبدلًا من أن تتجه دفة التقدميين الغربيين إلى الإسلام

إقرارًا بالفضل وعرفانًا بالجميل ، نابذته الجحود والنكران والإلحاد ، بل ظاهرت

عليه بالإثم والعدوان ، فحق عليها الحرمان من مدد الله ، وأوكلت في مواجهة سعار

ماديتها التي اصطنعتها بأيديها: إلى تدبير فلسفتها التي انتحت بالغرب كله - في

حين من الزمن - شطر الضلالة والتمزق الضياع .

ولقد امتدت يد العلمانية الآثمة إلى كيان الخلافة الإسلامية ، فطعنت قلبه ،

وصدعت أركانه ، ومزقت أوصاله ، وأقصت نخب الفكر الإسلامي ورموز الوفاء

عن دائرة الحضور والفاعلية في بلدانهم ، وكان في هذا الإجراء الحنون ردم لرافد

حضاري ثري ، وتدمير لمنهج مدني مؤسس على الضمير والفكر والروح الإنسانية

المؤمنة ، وكان في إبعادهم والقضاء على بعضهم والتغرير ببعض آخر حكم على

طبيعة الحياة الإنسانية في هذه البقعة الممتدة بالموت البطيء ، كان في هذا الإجراء

كما في الفلسفة العلمانية سلخ للروح عن الجسد ، ونزع للعقل عن الضمير ،

وتغييب للقيم الأخلاقية النبيلة عن دنيا الناس أجمعين إلا من رحم الله .

والذي تجدر إثارته في هذا السياق عدة أسئلة: ماذا بوسع الإنسانية تحقيقه من

مكاسب بعيدًا عن الدين والتدين ؟ وماذا جنت بانتكاسها عن قيم السماء ، وإعراضها

عن منهج الفطرة وتنكبها سبيل الأخلاق الفاضلة ؟ أو بتعبير آخر: ماذا كسبت

الاتجاهات العلمانية بعد أن خسرت الله ؟ ! وهل كانت العلمانية عند حسن الظن بها

في تجنيب العالم مشكلات التصادم وفواجع الحروب ؟ !

لقد مضينا والعلمانية في بلداننا الإسلامية قرابة قرن من الزمان ، فهل حققت

العلمانية وعودها إلى الجماهير من نهضة منشودة ، وصحوة ممدودة ، ومدنية

موعودة ، وعيشة مرغودة ؟ ! وهل تحرك مؤشر هذه المدنية التي زعم العلمانيون

تحولها بفارغ وسعهم وغاية جهدهم: نحو الصعود بدرجة أو بأخرى ؟

أم أننا لا زلنا منزوين في خانة التبعية والانحسار دون أن نلوي على شيء

مما كنا نتطلع إليه بعيدًا عن الله ؟ ! ! إن القيم الربانية بأبياتها الخلاَّقة المبدعة

وآلياتها الفاعلة هي وحدها مدعاة بلوغ الإنسانية أمر رشدها الذي لا ضلال معه ولا

سبيل إلى تصادمها وتناحرها به ! فالعلمانية إذن » ليس لها مكان في وجود الإنسان

مع الإسلام: فإما أن يوجد الإسلام ولا علمانية ، أو توجد العلمانية ولا إسلام « [4] ؛

فالتركيبة الحضارية الإسلامية ذات خواص متميزة ومضادة للعلمانية ، ومفطورة

على مجافاة الابتذال الحضاري على هذا النمط الغربي الكريه ، ولأن هذه التركيبة

اختلطت بعناصر غريبة فقد غيرت من طبيعتها نوعًا ما ؛ فإن ظواهر الصحوة

الإسلامية على مر السنين كانت بمثابة عنصر التوازن المنشود الذي يعيد إلى هذه

التركيبة حيويتها المدهشة الفعالة .

والإسلام في هذا السياق كله: لا يعتد بأنصاف الحلول ولا بأرباعها ؛ فإما

علمانية وإما إسلام ؛ فلا تملق ولا تلفيق ، ولا عوج أو انحراف . يقول - تعالى -:

[ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوا

إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ]

(هود: 112-113 ) .

إنني لأرى العالم بأسره شارعًا سفائنه - طوعًا أو كرهًا - باتجاه رياح

العولمة والطريق الثالث وغيرهما ، وكلها صوارف وذواهل عن طريق الله المستقيم ،

وكأنني بالله ينادي هذه القطعان الشاردة:[ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] ( الأنعام: 153 ) .

يناديها فلا تلقي له سمعًا أو تعيره أي انتباه ، ثم ما يلبث نداء الله يتكرر باتجاه

تلك الجموع السادرة لا سيما أولئك الذين بينهم وبينه عهد وميثاق ، ولكنَّ وَهَنَ

التبعية لغيره جل وعلا أعياهم ، وصرفهم بريق الحول عنه سبحانه فهل سيصغي

المعنيون بنداء الله ، فيفيئوا إلى مرافئ الهداية وشطآن النجاة ؟ ! أم أنهم سيظلون

سادرين حتى تمخر بهم سفائنهم في لجج التخبط والحبوط ، فيمضوا إلى المجهول

غير مأسوف عليهم ، فإذا بنداء رباني عاتب وأخير:[ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ

أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ]

( يس: 60-61 ) .

(1) نقلًا عن مجلة نور الإسلام ، مصر ، العدد الثالث ، لسنة 65 ، ربيع الأول 1417هـ ، ص 14 .

(2) نقلًا عن: رجعية التقدميين ، أبو الحسن الندوي ، مقال صحيفة الرائد الهندية ، العدد: 8 1417هـ ، ص 4 .

(4) العلمانية والإسلام ، محمد البهي ، كتاب مجلة الأزهر ، مصر ، 1415هـ ، ص 15 .

إشكال المصطلحات من المنظور الحضاري

في دائرة الضوء

إشكال المصطلحات من المنظور الحضاري

د . أحمد محمد الدغشي [*]

على كثرة العاهات الفكرية والنفسية والتربوية التي تعاني منها الأمم المغلوبة ،

فإن ثمة مشكلة ما انفكت تفتك بنخبها وعامتها على حدّ سواء ، وذلك فيما يتصل

بغزو المصطلحات الأجنبية الوافدة لتلك المجتمعات .

ويسعى بعضهم لتبسيط هذا الإشكال ، فيما يسعى آخرون ليجعل منه عنوان

الثقافة المستنيرة ، وسمة التحديث ، ويكاد القاسم المشترك بين جميع هؤلاء يبرز

في صورة تسويغ ساذج مفاده أن مسألة المصطلحات عبارة عن أداة تواصل إنساني

مشتركة لا تعرف وطنًا أو دينًا أو حضارة ، حيث غدت لغة عالمية مشتركة ، من

تخلَّف عن استعمالها كتب على نفسه الانزواء ، والبحث خارج دائرة الحدث ، وبقي

في ذيل القافلة في حين يتقدم كل شيء حوله ، لا بل إن من نازع في أهمية التفاعل

مع مصطلحات الآخر على نحو لا يؤمن بخصوصية ، ولا يعترف بأي فارق فيها

يكون قد حكم على نفسه بالإعدام الحضاري !

ويضيف بعض المفتونين بالآخر قائلًا: إن التشدد في ضبط المصطلحات ،

والبحث عن خصوصياتها ، اهتمام سطحي لا قيمة له ، ولا جدوى من ورائه ،

والواقع الموضوعي . والنظر العلمي الفاحص يخالفان كلاهما ذلك الزعم ، ويكشفان

أن الاهتمام بالمصطلحات وضبطها وتحديدها ليس اهتمامًا ترفيًا ، ولا قضية

هامشية ، فضلًا عن أن يكون انغلاقًا أو اهتمامًا بالأشكال والصور على حساب

الجوهر ، أو بالمباني والألفاظ على حساب المعاني والدلالات .

إن دراسة هذه المسألة بحث في جانب علمي منهجي معقد ذي ارتباط نفسي

وتربوي وثيق بين شخصية الباحث وموضوع البحث ، أو بين الذات العارفة

والموضوع المعروف ، أو بين التعبير والتفكير . ولعله لم يصب البحث العلمي في

عصرنا الحاضر بآفة منهجية أكثر مما أصيب بالعشوائية في استخدام المصطلحات

العربية ، على حين يجري اللهث والانتقاء وراء استعمال المصطلحات الأجنبية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت