فهرس الكتاب
الوافدة ، مع ورود مصطلحات أصلية حينًا ، ومعربة بديلة حينًا آخر ، غير أن
الجهل بالذات ، والانهزام أمام الآخر ، وفقدان حرية الإرادة ، دفع بالكثير من
النخب المثقفة والمتخصصة للأخذ بألفاظ الآخر ومفرداته من غير ضرورة منطقية
وبدون أدنى ضابط منهجي ، بدعوى أنها مفردات علمية ، وأنها باتت حقًا مشاعًا
للجميع ، ولم تعد حكرًا على ذويها وبيئاتها الأولى .
عولمة اللغة:
من هذا المنطلق يمكن استيعاب مدلول النهي القرآني الصريح عن استخدام
مفردة عربية لا غبار عليها من حيث الأصل هي « راعِنا » ؛ لكن لما غدا
استخدامها دالًا على معنى سلبي غير حسن استحال استخدامها في النهي ، ثم جاء
الأمر باستخدام مفردة عربية أخرى هي « انظرنا » ؛ كما في قوله تعالى:
[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ]
( البقرة: 104 ) . وتفسير ذلك أن اليهود عدّوا اللفظ « راعِنا » دالًا على الرعونة
وهي الحمق ، رغم أنه موضوع في الأصل للدلالة على الإنظار والإمهال ، فقام
التوجيه باستعمال مفردة جديدة صريحة في دلالتها هي الإنظار والإمهال وهي قوله:
« انظرنا » [1] .
وليس من قبيل الاهتمام بالأشكال تشديد الإسلام على تسمية المواليد بالأسماء
الحسنة ، وكراهيته الأسماء غير المستحبة ، حتى إنه دعا إلى تغيير الاسم غير
الحسن إلى اسم حسن ، حتى لو كان صاحبه قد عرف به ونشأ على ذلك فيما ذهب
من حياته [2] .
تأمل هذا وقارنه بالاستهانة بدلالة المفردات اليوم لدى بعض الكتاب
والمتحدثين في قضايا كبيرة وخطيرة تتصل بالأمة وسيادتها ، ظنًا منهم أنه لا داعي
للتشدد والضبط في الأشكال ، وعلينا أن نوفر ذلك للاهتمام بالمضامين وليس
العناوين ، ومع أن بعض هؤلاء قد فرّط بالمضامين قبل العناوين ، إلا أن قسمًا
كبيرًا هو الذي يعنينا الحديث معهم لم يفرّط ولن يفرط بإذن الله في المضامين ؛ بيد
أنه يتوسع قليلًا أو كثيرًا في استخدام المفردات التي يعلم الجميع عند التأمل بأن
التهاون فيها يقود تدريجيًا إلى التهاون في المضامين [3] ، ومع أني سأفرد الحديث
المستقل لمصطلحين شائعين كبيرين فيما بعد ، إلا أني أشير هنا إلى مصطلح
« الشرق أوسطية » و « إسرائيل » فعلى حين ما يزال بعضنا محتشمًا وغير
راضٍ عن استخدام الأول فإنه قد تساهل كثيرًا في استخدام الثاني ، وكأنه بذلك يقر
دعاوي الصهيونية في تقرير أمر واقع ، له جذوره التاريخية الجغرافية ، وما هو قائم
على الأرض خير دليل ! !
ولأن الأمر قائم على عاطفة مجردة أو تقليد ساذج يمثل سمة الخطاب العربي
في مرحلة معينة ، فإنه من غير المستبعد أن يزول ذلك التحفظ المتبقي مع الزمن ،
ما دام الأمر ليس نابعًا من الإدراك الحضاري القائم على بعدي المبدأ والمعرفة
العلمية ، وليس مقبولًا منطقيًا المضيّ في الترويج والمشايعة لمصطلح «إسرائيل»
عَلَمًا على كيان مغتصب لقيط ، ثم التحفظ على مصطلح « الشرق أوسطية » مع
أن المدلول يكاد يكون واحدًا تمامًا !
أما حين يصر بعضنا على أن اللغة تفقد هويتها وتصبح مفردة علمية مشاعة
فإن من حقنا المطالبة بالإجابة الموضوعية عن السؤال الموضوعي المنطقي
الآتي: كيف لنا أن نسلِّم أن تلك المصطلحات فقدت هويتها ، وأصبحت أداة تواصل
عالمي ، ثم نجدها وحدها هي السائدة ، تبعًا لسيادة لغتها ، وهيمنة أهلها ذوي
النفوذ والتفوق والقوة ؛ أولئك الذين أصبحوا أوصياء على البشرية اليوم تحت
شعار « النظام العالمي الجديد » بعد أن أخفق حلفاؤهم بالأمس في فرض الثقافة
ومن بينها اللغة بقوة السلاح .
إن سيطرة لغة واحدة وإقصاء ما عداها في البحث والدراسة ، ومحافل العلم ،
وحلقات النقاش وسائر المؤتمرات والندوات ، إنما يؤكد حالة الاستلاب الحضاري
لدى الشعوب المهزومة ، ويعزِّز من هيمنة أقوياء الحضارة الغربية ، ولعله لم
يتمحض الأمر في هذا الجانب كما تمحض اليوم في صورة ما يسمى بالعولمة التي
لا تبقي على مقوم حضاري ذي خصوصية إلا أتت عليه بالوصاية والفرض
لأنموذجها السائد المهيمن ، والذي تمثل اللغة فيه أداة التأثير الفاعلة سلبًا إلى حد لا
يكاد يتصوره من أغفل العلاقة العضوية بين طريقة التعبير ومنهجية التفكير .
درس مزدوج من فرنسا:
إن العاقل من اتعظ بغيره ، والشقي من اتعظ بنفسه ، والمفترض فينا جميعًا
أن نستخلص العبر من تلك البلدان التي استعمرت ردحًا من الزمن في الشمال
الإفريقي حتى نشأت فيها أجيال كاملة لا تعرف لغتها الأصلية تمامًا ؛ إذ هي نشأت
على لغة الآخر ليس في مجال العلم فقط ، ولكن تدخلت حتى في نطاق التعامل
الأسري ، وخصوصيات أفراد العائلة وداخل غرف النوم .
وأدركت حكومات بعض تلك البلدان غداة الاستقلال حجم التركة الاستعمارية
الكبرى التي خلَّفها المستعمر أثناء احتلاله فيما يتعلق باللغة وما يرتبط بها من قيم
معرفية وسلوكية بعيدة عن العمق الحضاري والأصالة والهوية والاستقلال
والخصوصية .. مما دفع ببعض تلك الحكومات لبذل جهود مضنية في سبيل العودة
إلى الذات عن طريق التأهيل اللغوي بالعربية ، ولا شك أن الأمر قد كلفها الكثير
وما يزال .
ومن المفارقات العجيبة الجديرة بالتأمل والتوقف عندها طويلًا في هذا السياق
أنه على حين يراد لنا قبول لغة الآخر بلا تحفُّظ ؛ بدعوى أنها سبيل نهضتنا الحتمية ،
نجد أن الحكومة الفرنسية اتخذت قرارًا ( في مايو 1994م ) يقضي بالعقوبة
سجنًا ، أو تغريمًا ماليًا يصل إلى ما يعادل ألفي دولار بحق كل من تثبت عليه
( جريمة ) استخدام غير الفرنسية في الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة
والمرئية ، وكافة مكاتبات الشركات العاملة على الأرض الفرنسية ، وخاصة
المحلات التجارية ، والأفلام الدعائية التي تبث عبر الإذاعة والتلفاز . وقد جاء هذا
القرار في مواجهة هجمة اللغة الإنجليزية ، التي أوصلتها الأقمار الصناعية إلى
البيوتات الفرنسية [4] .
إن قرار الحكومة الفرنسية يدل على رفض محاولة الهيمنة: فرض الأنموذج
الثقافي الأمريكي على الفرنسيين كما يراد له أن يفرض على غيرهم .. والأمم الحية
هي التي ترفض وتنازع ولا تستسلم ، في حين أن الأمم المغلوبة مولعة بتقليد
الغالب وتقمص شخصيته الحضارية في كل مظهر من مظاهره .
التفاعل لا الاستلاب:
وقد يتصور بعض المتعجلين في إصدار الأحكام وتصنيف الناس أن في
الدعوة إلى الانعتاق والاستقلالية دعوة ضمنية إلى الانعزال والتقوقع والجمود ، وهم
بهذا يؤكدون وقوعهم في فخّ الاستلاب الحضاري ، الذي أفقدهم حتى إصدار أحكام
موضوعية متأنية في حق كل مخالف لسيادة الغرب الحضارية وهيمنته الثقافية ،
فالتواصل المعرفي أمر مشروع ، بل وفريضة حضارية ، وإغفال أداة هذا التواصل
يمثل غيبوبة حضارية ، وتخلفًا عن قافلة الركب الحضاري ، وتجاهل ما وصل إليه
الغرب في نواح معرفية وتقنية كثيرة ، وهذا استعلاء أهوج مرفوض ، وليس عزة
إيمانية أو استقلالًا حضاريًا سليمًا .. كما تعي هذه الدعوة استحالة النهوض
الحضاري بغير إفادة من المعرفة التراكمية والخبرة الجادة التي بلغها الغرب ،
ولكنها تعي كذلك أن هذا كله أمر آخر يختلف عن الاستلاب الحضاري الذي من
شأنه أن يسهم في مزيد من التخلف والنكوص ، وإن زعم ذوو الجهل المركب أنه
وحده طريق التقدم الحتمي وسفينة النجاة .
نماذج النهوض الشرقية:
ومن النماذج الحيّة على زيف الدعوة إلى استعارة لغة الآخر ومفردات خطابه