أم أن سفراءنا العرب يفضلون أسلوب السفير الجاهلي ـ وأظنهم كذلك ـ الذي وفد إلى كسرى، وما أن مثل أمامه حتى ألقى إليه كسرى وسادة مطرّزة بصورته ليجلس عليها إكرامًا له، ولشد ما كانت مفاجأة كسرى عظيمة ولكن هذه المرة بسبب آخر، عندما أبصر السفير الجاهلي وقد وضع الوسادة على رأسه وجلس على الأرض.
وعندما سأل كسرى ترجمانه عن السبب، أجاب السفير الجاهلي متعجلًا إنه أبصر صورة كسرى على الوسادة فرأى أن مكانها على رأسه لا تحته.
وتقول الرواية إن كسرى قد أعجب بعقله، ولكن أكبر الظن أن كسرى قد استهان به وبمن أرسله!!.
محام وأديب سوري ـ الرقة
الفخ في صراع الحضارات
فاطمة عبد الله*
في حركة لولبية ومتصاعدة اتخذت مسألة نشر الصحف الأوروبية لصور ورسوم تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم منعرجا خطيرا؛ ليس أقلّه أن هناك من يدفع باتجاه تأجيج صراع مفتعل، وفخّ مهيأ سلفا من دعاة صراع الحضارات أسوة بما كان (بشّر) به جزافا المفكر الأمريكي (صموئيل هنتنغتون) في كتابه (صراع الحضارات) الذي نشره منذ عشرية ونصف.
وعندما نتفحّص في نسق العملية - عملية النشر التي ترد تباعا من عاصمة أوروبية إلى أخرى تحت تعلّة حرية التعبير - نعي تماما أن في الأمر حثّا نحو مخطط، أو فخ أفصح عنه، وحذّر منه وزير الخارجية الإسباني ميغل موراتينوس حين دعا العالم الغربي إلى عدم الوقوع في فخّ من أسماهم دعاة حرب الحضارات..
لكن عندما نستعرض وسائل الإعلام التي نشرت ولا تزال تعيد النشر، والبلدان التي تنتمي إليها نجد طرفا حاضرا غائبا في المشهد وهو الطرف الأمريكي.
إذ أن التعلة - التي تتخذها العواصم الغربية، وصحفها الكبرى التي نشرت، أو أعادت نشر الرسوم المشار إليها - هي حرية التعبير.. في حين أن الصحافة الأمريكية لم تنخرط إلى حدّ هذه اللحظة في هذا الجدل الذي أريد له أن يكون في ميدان العرب والمسلمين، وبوسائل الغرب من الأوروبيين.
هنا يطرح سؤال الحيرة نفسه: من هو الطرف أو الأطراف التي لها مصلحة في اشتعال النار بين الشرق والغرب، وتحديدا بين أوروبا والعالم الإسلامي المتاخم لها جغرافيا، والساكن بين ظهرانيها من خلال ملايين المسلمين الذين يعيشون في قلب أوروبا.
لقد تسارعت الأحداث بدرجة لم يعد معها التحاور ممكنا بالفكرة، والفعل أضحى فيه الكثير من الاستفزاز، وردّ الفعل صار مغمورا بالمشاعر والأحاسيس؛ وهنا لبّ المشكل؛ إذ أن التاريخ علّمنا أن مسّ مقدسات أو محرّمات مجموعة بشرية ما من شأنه أن يؤجج المشاعر، ويجعل المجموعة في حلّ من أي حوار.
الملفت في كل هذا الذي حدث من ردّة فعل شعبية غاضبة أنها لا تعني مفهوم الصراع في شيء، وهي كذلك لا تعني مفهوم الحوار في شيء أيضا.
عندما نتفحص جيدا هذه الأحداث المستجدة على الساحتين الأوروبية والعربية الإسلامية لا بد أيضا من أن نتساءل عن معاني عدة منها: ما معنى هذا التوقيت؟ وما علاقة تلك الرسوم المشينة والمسيئة لمشاعر المسلمين بأحداث العالم اليوم من حروب، واحتلال، وهيمنة؟.. وهي أحداث تسيء لكل من العربي، والمسلم الذي يقع عليه أثرها في حين أن من أصدرت صحفه، ووسائل إعلامه تلك الرسوم، هو الأطراف التي تتحرك، وتقوم بتلك الأفعال التي منها الاستعمار، والسيطرة على مقدرات الغير..
ما أشار إليه الوزير الأسباني كفيل بأن يفتّح أعين الكثيرين ممن اتخذوا من المسألة مجرّد ردّ فعل متخلف من أمة كفّ عطاؤها للحضارة الإنسانية منذ زمن.
إنه الفخّ الذي سارع عدد من الغربيين للوقوع فيه، في حين أن المسألة تتجاوز كونها حرية رأي تمسّ حرية المعتقد، وقدسية المقدَّس للمسلمين قاطبة.. وكما شدد وزير الخارجية الإسبانية فالوضع العالمي لا يحتمل صراعا حضاريا؛ وعلى الغرب أن يعمل على خفض التوتر.. لأن الوضع كما نعلم جميعا متوتر لأسباب يعرف الغربيون جيدا أنها خارجة عن نطاق الاعتداء بالصورة أو بالكلمة ضد العرب والمسلمين لتتعداها إلى مشهد مشحون بالغضب جراء الهيمنة الاقتصادية، والغزو العسكري، وسفك دماء الاستقلال الوطني.
ما هو مطلوب من الغرب اليوم هو التعامل بمسؤولية تجاه أحداث فيها فخاخ للجميع.. فلا العرب والمسلمون طلاّب صراع حضاري، ولا هم أيضا جادلي الغرب في مقدّساته، وحريته الفكرية، وحرية التعبير في بلدانهم.
إنّ تحذير موراتينوس جاء في وقته؛ لأن الغضب والاستفزاز بدآ يسريان كالنار في الهشيم، في حين أن التريّث والانتباه إلى ما يحمله فخّ صراع الحضارات من كوارث على البشر أجمعين من شأنه أن يجنّب البشرية شرّ البليّة.
سقوط حضارة
كثير من الدراسات والتقارير - كما جاء بجريدة آفاق عربية بعددها بتاريخ 1\10\2003 تعرضت بالرصد والتحليل للحدث «الجلل» - الحادي عشر من سبتمبر - وتداعياته منذ وقوعه وحتى الآن.
وفي هذا الإطار جاء العدد الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات الحضارة وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة - وفي هذا العدد أكد الباحث أسامة مجاهد في بحثه عن «الاستجابة الرسمية الأمريكية» أن المسألة الثقافية - الحضارية والدينية - لم تعد في الظل ولم تعد تابعًا بل أصبحت المحرك للتاريخ منذ 11 سبتمبر حيث أصبح هناك كثافة في استخدام المصطلحات الدينية في الخطاب الرسمي الأمريكي وصعود البعد الثقافي والديني إلي المرتبة الأولي في الصراع علي الأقل ظاهريًا.
هذا الخطاب الذي يسيطر عليه البعد الديني انتقل كذلك إلي الخطاب الأوروبي في تعامله مع الأزمة وبخاصة في بريطانيا. وفي بحثها بعنوان «الدائرة الأوروبية والانعكاسات علي الأزمة» أكدت الباحثة مروة فكري أن الخطاب السياسي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير برز فيه البعد الثقافي» فقد شدد علي القيم التي يؤمن بها الغرب . بل إن خطاب بلير جعل أوروبا والولايات المتحدة في كفة واحدة مقابل العالم أجمع فالعالم عنده أصبح منقسمًا إلي عالم غربي متحضر وآخر غير غربي وغير متحضر.
ولم يقتصر ذلك التوصيف - طبقًا للباحثة - لطبيعة الأزمة علي الخطاب البريطاني، بل امتد لأوروبا كلها حيث جاء التوصيف الرسمي الأوروبي بشقيه الجماعي والقومي للهجمات علي الولايات المتحدة علي أساس ثقافي حضاري فيه إعلاء لقيم أوروبا وحط للآخرين.) اهـ
وفي الحرب الأمريكية علي ما تسميه الإرهاب ترصد الدكتورة زينب عبد العظيم في دراستها «الاستراتيجية الأمريكية العالمية واستمرار الحرب ضد الإرهاب» ضمن حولية «أمتي في العالم» أهداف تلك الاستراتيجية وتذكر من بينها ( شن حرب مفتوحة ضد دائرة الحضارة الإسلامية بالتحالف مع الصهيونية. فالرئيس بوش وصف حملته علي الإرهاب بأنها «حملة صليبية» والدراسات تؤكد - وهو ما تؤيده الباحثة - أن السياسات الأمريكية منذ 11 سبتمبر هي تجسيد دقيق لمقولة صراع الحضارات. )
أية قيم وأية ثقافة وأية حضارة ساقطة تلك التي يطرحونها بين أقدامنا ؟
إنها الحضارة الجثة: تعبيرا لا عن موتها النهائي بالضرورة ولكن تعبيرا عن افتقارها إلى الروح ومن ثم إلى الخلق ، وأخيرا تعبيرا بكونها على حافة السقوط .