ولمّا أدرك أعداء الأمة الإسلامية مدى جدوى هذه الفكرة في نزع الولاء الإسلامي ليحل محله الولاء الجاهلي، وفي تغييب الهوية الإسلامية التي تُميز المسلم وتجعله مستعصيًا على الذوبان في الأمم الأخرى... لمّا أدرك الأعداء ذلك أخذوا في بث سموم الفكرة الوطنية، والتي تبث الشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة، وتنادي بأن الأمة تقوم - حسب تصورهم - على الجنس لا على الدين.... فالوطنيون يحبون أبناء وطنهم وإن كانوا على غير ملتهم أكثر من محبتهم لمن كانوا على ملتهم إذا لم يكونوا في وطنهم!
ولقد حقق أعداء الأمة الإسلامية من خلال فكرة الوطنية أكثر من هدف في وقت واحد...
كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الصليبي إلى حركات وطنية لا تنظر إلى العدو الصليبي على أنه صليبي مستعمر، ولكن على أساس أنه مستعمر فقط.
وكان الهدف الثاني: هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي إلى حركات سياسية، عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية يمكن التفاهم معها بسهولة...
وكان الهدف الثالث: هو تيسير عملية التغريب من خلال تحويل حركة الجهاد الإسلامي إلى حركات وطنية ليس لديها ما يمنعها من الأخذ من أفكار وتقاليد وأنماط سلوك من تجارب من مستعمرين!
لقد قام أعداء الأمة الإسلامية عبر تخطيط ماكر خبيث بتحويل روح العداء لهم، والتي يشعر بها المسلم من خلال عقيدة الولاء والبراء، قاموا بتحويل العداوة إلى شعور بالمحبة والارتياح، بل إلى انبهار وشعور بأنهم القادة والسادة!
وقد حدث ذلك عبر خطوات: التغريب حيث تم هدم الشخصية الإسلامية وبناء الشخصية الغربية... ثم نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وتلك الحضارات... ثم قاموا بتأكيد ذلك عبر الفكرة الوطنية التي كرّست كيانات التجزئة في الأمة الإسلامية... ثم في أعطاف الوطنية، خرجت موجات العلمانية التي أسقطت راية الشريعة وأحلت محلها راية القوانين الجاهلية.
وفي ظل العلمانية جاء الغرب بالحكّام العملاء الذين أشربوا في قلوبهم ثقافة الغرب، وتربوا على يديه ونشأوا في كنفه ورعايته... وقام هؤلاء العملاء باقتلاع عقيدة الأمة، وتدمير هويتها، وتزييف وعيها... فصارت الأمة الإسلامية بعد الاقتلاع من الجذور... والقطع عن المسار التاريخي - صارت كالخُشُب المسندة، لا كالشجرة عميقة الجذور طيبة الثمر، يانعة الاخضرار! بل أصبحت الأمة الإسلامية بخروجها عن مسارها التاريخي، كالماء الآسن بعد أن خرج عن مجرى النهر...
وهكذا كانت رياح الغرب، رياح تدمير لمقومات أمتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك عبر الحكّام العملاء الذين هم من جلدتنا ويتكملون بألسنتنا! والذين تمت على أيديهم خطة الغرب الصليبي في التغريب... والاغتراب [6] .
[6] لمزيد من الاطلاع، راجع إن شئت:
واقعنا المعاصر، محمد قطب، دار الشروق.
إخراج الأمة المسلمة، ماجد عرسان الكيلاني، كتاب الأمة.
مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، دار الشروق.
الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، محمد محمد حسين، مكتبة الآداب، مصر.
الفاعلية الإسلامية والريادة البشرية: في الصّراع الحضاري
[الكاتب: محمد محمد بدري]
لا يمكن أن نتحدث عن التقدم والتخلف والحضارة... وغيرها، دون أن نحدد المعايير الأساسية التي نستند إليها في توصيفنا لما هو تقدم... وتقديرنا ما هو التخلف؟ ومعرفتنا ماذا تعني الحضارة؟... ذلك أن الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد الأرض التي نقف عليها ونحن نقدم الحلول لمشاكل الأمة الإسلامية، ونرسم الطريق الواضح لعودتها إلى قيادة البشرية من جديد...
إن مفهوم الحضارة في الإسلام مفهوم يشمل العقيدة والقيم والأخلاق والنظم والتنظيمات والأفكار والنشاط المعمر في الأرض... وليست هي كل تقدم صناعي أو اقتصادي أو علمي مع تخلف القيم عنها.
ولذلك فإن الحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالًا متنوعة في تركيبها الماديّ والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته... وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه... وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون الخلافة.
ويجب على الأمة الإسلامية أن تدرك أن الذين يتحكّمون فينا ليمنعونا من تطبيق شريعتنا هم أنفسهم الذي يتحكمون فينا ليبقى اقتصادنا عالةً عليهم، ولا يستقل عنهم، ولا يستغنى عن تدخلهم، ولا يصل إلى حد الاكتفاء.
إن الأرض التي انتشر فيها الإسلام - بقدر من الله - هي بفضل الله أغنى بقعة في الأرض، بثرواتها البشرية والمعدنية والمائية، وكل أنواع الطاقات، ولكن أهلها اليوم هم أفقر سكان الأرض، وأشدهم جوعًا ومرضًا وتخلفًا! ولو كانت هذه الثروات والطاقات ملكًا حقيقيًا لأهلها لكانوا أغنى سكان الأرض... فمن الذي يمنعهم من امتلاكها والتصرف الحر فيها؟ هم ذات الأعداء الذين يمنعونهم من تطبيق شريعتهم.
إن الأمة الإسلامية يُرَاد لها أن تبقى عاجزة عن الاستفادة من الخامات الموجودة في أرضها عجزًا تامًا وكاملًا... ويُراد لها أن تبقى عاجزة عن حماية نفسها عجزًا تامًا وكاملًا، ولذلك فإن المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية تضع في مقدمة أهدافها تدمير الأمة الإسلامية، من ناحية العنصر البشري بإشاعة الانحلال العقيدي والخلقي... ومن ناحية تدمير الاقتصاد... وأخيرًا من ناحية التدمير العسكري.
إن الصراع القائم بين الأمة الإسلامية، والجاهلية المتعددة الأسماء، هو صراع ذو أبعاد مختلفة... ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية... وبالتالي فهو صراع حضاري شامل لا يختص بجانب من جوانب الحياة دون جانب آخر، وهذا الصراع الشامل ذو الأبعاد المتعددة لا يمكن كسبه إلا بتكثيف الجهود وتركيزها... فإذا أرادت الأمة الإسلامية مقاومة الحضارة الغربية، فإن هذا يستدعي أن تقوم بتأسيس حضارة إسلامية متكاملة الأبعاد، وتقوم بتجميع عناصر القوة في الأمة، وتوجهها إلى ما ينفع الناس، ويؤَمّن خطى الأمة على طريق المستقبل، ويثّبت أقدامها في الصراع الحضاري.
والحضارة في المفهوم الإسلامي: هي عمارة الأرض بمقتضى المنهاج الرباني، وطبقًا لهذا المفهوم الإسلامي للحضارة، فإن واقع الأمة الإسلامية يشهد أنها تعاني من التخلف والتدهور الحضاري الفظيع... وأن الفجوة الحضارية بينها وبين العالم المتقدم تزداد كل يوم.
ولا شك أن الأمة الإسلامية إذا أردات النهوض واللحاق بركب الحضارة. بل وسبقه، فإنه لا بد لها أن تستعيد ثقتها في نفسها، وتحافظ على ريادتها واستقلالها، وتدرك ما لديها من طاقات وقوى ذاتية فتستخدمها في بناء حضارتها، ولا تضيعها في الفراغ أو تتركها لأعدائها يستخدمونها في إذلالها والتحكم فيها... فإذا فعلت الأمة ذلك فإنها تكون قد ملكت العوامل المادية التي يمتلكها الآخرون... وتبقى الأمة الإسلامية متميزة بملكية السلاح الذي لا تملكه الأمم الأخرى، وهو المنهاج الرباني... فيكون لها السبق الحضاري على كل الأمم، وتعود إلى قيادة البشرية من جديد [18] .
[18] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:
في ظلال القرآن، تفسير سورة الأنعام، سيد قطب، دار الشروق.
حول تطبيق الشريعة، محمد قطب، مكتبة السنة، القاهرة.
تأملات، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق.
حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، دار الفكر.
الأنوثة الفكرية ومأسيها